تتجه الحرب الإسرائيلية على لبنان، المستمرة منذ مطلع آذار/ مارس، نحو مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا، مع تصاعد غير مسبوق في العمليات العسكرية وتوسّع نطاق الاستهداف ليشمل البنية التحتية الحيوية، في وقت ترتفع فيه حصيلة الضحايا بشكل مقلق، وتزداد المخاوف من تثبيت واقع ميداني جديد على الأرض.
حذّرت منظمة هيومن رايتس ووتش من أن توسيع إسرائيل عملياتها البرية في جنوب لبنان، إلى جانب تنفيذ غارات جوية تستهدف المدنيين، يثير مخاوف جدية من ارتكاب انتهاكات قد ترقى إلى مستوى جرائم حرب.
نية محتملة لتهجير السكان قسرًا
وأكدت المنظمة أن المؤشرات الحالية تشير إلى وجود نية محتملة لتهجير السكان قسرًا، محذّرة الدول التي تواصل تزويد إسرائيل بالأسلحة والدعم العسكري من احتمال التورط أو التواطؤ في هذه الانتهاكات.
كما أسفرت غارة إسرائيلية على بلدة الشهابية في قضاء صور عن ارتقاء شخص وإصابة آخر بجروح، فيما تكفّلت فرق الإسعاف بنقل المصاب إلى المستشفى وسط حالة من التوتر والترقب في المنطقة.
ارتفاع حصيلة النازحين في لبنان
وتتفاقم الأزمة الإنسانية مع تزايد أعداد النازحين في لبنان، حيث تجاوز عددهم المليون شخص، نتيجة موجات النزوح المتسارعة من مناطق الصراع.
وامتدت تداعيات التهجير لتشمل اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات مدينة صور الساحلية، ما دفع العديد منهم للبحث عن مناطق بديلة وسط ظروف إنسانية صعبة.
وبحسب المعطيات الرسمية، ارتفعت حصيلة الضحايا في لبنان إلى 1029 ضحية و2786 جريحًا، في واحدة من أعنف جولات التصعيد منذ سنوات، ما يعكس شدة الضربات الجوية والبرية التي تستهدف مناطق واسعة من الجنوب اللبناني.
في المقابل، قُتل إسرائيلي إثر استهداف مركبته بصاروخ مضاد للدروع في مستوطنة "مسغاف عام" بالجليل الأعلى، في هجوم تبنّاه حزب الله، قبل أن يعلن الجيش الإسرائيلي فتح تحقيق في احتمال مقتله بنيران صديقة، ما يسلط الضوء على حالة الارتباك الميداني في ظل كثافة العمليات العسكرية.
استهداف الجسور
في تطور لافت، شنّ الجيش الإسرائيلي غارة استهدفت جسر القاسمية فوق نهر الليطاني، وذلك بعد توجيهات مباشرة من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس بتدمير جميع الجسور الممتدة فوق النهر.
وتبرر إسرائيل هذه الخطوة بأنها تهدف إلى منع انتقال عناصر حزب الله والأسلحة من شمال الليطاني إلى جنوبه، غير أن هذه السياسة أثارت ردود فعل لبنانية غاضبة، اعتبرتها محاولة لفرض واقع جغرافي جديد.
كما دمرت مقاتلات إسرائيلية فجر الإثنين جسر القعقعية على نهر الليطاني، ضمن سلسلة غارات استهدفت البنية التحتية في جنوب لبنان.
ويعد جسر القعقعية أحد خمسة جسور رئيسية تربط ضفتي النهر، فيما تشير المعلومات إلى أن الطائرات الإسرائيلية دمّرت ثلاثة جسور، ما أدى إلى تعطيل حركة التنقل بين الشمال والجنوب وزيادة الأضرار في البنية التحتية المحلية.
وفي هذا السياق، وصف الرئيس اللبناني جوزيف عون استهداف الجسور بأنه تصعيد خطير وانتهاك صارخ للسيادة اللبنانية، مؤكدًا أن هذه الهجمات تهدف إلى قطع التواصل الجغرافي بين المناطق اللبنانية، وقد تمهّد لإقامة منطقة عازلة تخدم أهدافًا عسكرية إسرائيلية.
حزب الله يعلن تنفيذ عشرات العمليات العسكرية
ميدانيا، تتواصل الاشتباكات بوتيرة مرتفعة، حيث أعلن حزب الله تنفيذ عشرات العمليات العسكرية التي استهدفت تجمعات ومواقع إسرائيلية، لا سيما في محاور التوغل البري جنوب لبنان.
ووفق بيانات الحزب، فقد تم تنفيذ أكثر من 60 عملية خلال يوم واحد، شملت إطلاق صواريخ واستهداف مواقع عسكرية بطائرات مسيّرة وقذائف مدفعية، في محاولة لعرقلة تقدم القوات الإسرائيلية.
وشملت الهجمات مناطق عدة، من بينها كريات شمونة، وثكنات عسكرية مثل "أفيفيم" و"برانيت"، إضافة إلى مواقع مراقبة وقواعد جوية، ما يعكس تنوع الأهداف واتساع نطاق العمليات.
في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي إصابة خمسة من جنوده في جنوب لبنان، أحدهم نتيجة سقوط طائرة مسيّرة قرب قوة عسكرية، بينما أُصيب آخرون في حوادث مختلفة، في وقت تشير تقارير إلى مقتل جنديين وإصابة العشرات منذ بدء التوغل البري.
الشمال الإسرائيلي تحت الضغط
امتدت تداعيات المواجهات إلى الداخل الإسرائيلي، حيث دوت صافرات الإنذار في عدة بلدات بالجليل الأعلى والغربي، بينها "منارا" و"مرغليوت" و"المطلة"، تحسبًا لإطلاق صواريخ أو تسلل طائرات مسيّرة من لبنان.
وتعكس هذه التطورات حجم الضغط الذي تواجهه الجبهة الداخلية الإسرائيلية، مع استمرار التهديدات اليومية، ما يفرض تحديات أمنية متزايدة على الجيش والحكومة.
ضربات جوية وخسائر بشرية
في الجانب اللبناني، تواصلت الغارات الجوية الإسرائيلية، حيث أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بسقوط ضحية وإصابة آخر جراء غارة استهدفت مبنى في بلدة الشهابية جنوب لبنان.
وأسفر الهجوم عن أضرار مادية كبيرة، وسط حالة من الذعر بين السكان، فيما سارعت فرق الإسعاف إلى نقل المصابين، وبدأت الجهات المختصة تقييم حجم الخسائر.
وتأتي هذه الغارة ضمن سلسلة ضربات تستهدف مناطق سكنية وبنى تحتية، ما يزيد من معاناة المدنيين ويعمّق الأزمة الإنسانية في الجنوب.
طالع أيضا: المنطقة على حافة انفجار شامل..حرب إيران صواريخ متبادلة ونيران تتسع وخرائط تتغير
عمليات نوعية وتكتيكات متطورة
يعتمد حزب الله في هذه المرحلة على مزيج من التكتيكات العسكرية، تشمل الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة الانقضاضية، إلى جانب القصف المدفعي، ما يتيح له استهداف مواقع إسرائيلية متنوعة بدقة نسبية.
كما تشير البيانات إلى تركيز الحزب على استهداف تجمعات الجنود والآليات العسكرية، في محاولة لإبطاء التقدم البري ورفع كلفة العمليات على الجانب الإسرائيلي.
في المقابل، يواصل الجيش الإسرائيلي استخدام القوة الجوية بشكل مكثف، إلى جانب العمليات البرية المحدودة، مع التركيز على تدمير البنية التحتية التي يعتقد أنها تُستخدم لأغراض عسكرية.
قرارات سياسية في ظل التصعيد
على المستوى السياسي، عقد بنيامين نتنياهو مداولات أمنية مصغرة لبحث تطورات الحرب على جبهتي لبنان وإيران، في ظل تقديرات تشير إلى احتمال استمرار المواجهة لفترة طويلة.
ومن المتوقع أن تتبع هذه الاجتماعات قرارات جديدة قد تشمل توسيع العمليات العسكرية أو تكثيف الضربات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تحقيق أهداف إسرائيلية تتجاوز مجرد الردع.
جدل حول النيران الصديقة
أثار إعلان الجيش الإسرائيلي فتح تحقيق في احتمال مقتل أحد مواطنيه بنيران قواته في "مسغاف عام" تساؤلات حول دقة العمليات العسكرية في ظل كثافة النيران.
وتسلط هذه الحادثة الضوء على مخاطر العمليات في بيئة قتالية معقدة، حيث قد يؤدي تداخل النيران إلى وقوع خسائر غير متوقعة، ما يزيد من الضغط على المؤسسة العسكرية.
تشير مجمل التطورات إلى أن الحرب في لبنان دخلت مرحلة جديدة، تتسم بتصعيد متبادل واستهداف للبنى التحتية، ما قد يؤدي إلى تغيير معالم الجغرافيا الميدانية.
ويخشى مراقبون من أن تؤدي سياسة تدمير الجسور وقطع الطرق إلى عزل مناطق بأكملها، ما يفاقم الأزمة الإنسانية ويعقّد أي جهود مستقبلية للتسوية.
في الوقت ذاته، يواصل حزب الله إظهار قدرته على الرد، عبر تنفيذ عمليات متكررة تستهدف العمق الإسرائيلي، ما يعزز من معادلة الردع المتبادل، لكنه يرفع أيضًا من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
في ظل غياب مؤشرات واضحة على التهدئة، واستمرار التصعيد العسكري والسياسي، تبدو الحرب مرشحة لمزيد من التوسع، سواء من حيث الجغرافيا أو طبيعة الأهداف.
ومع ارتفاع أعداد الضحايا، وتزايد استهداف البنية التحتية، واتساع نطاق الاشتباك، يجد لبنان نفسه أمام واحدة من أخطر الأزمات في تاريخه الحديث، بينما تواجه إسرائيل تحديات متزايدة على جبهتها الشمالية.
وبينما تتسارع الأحداث، يبقى المشهد مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين احتواء التصعيد عبر تدخلات دولية، أو الانزلاق نحو حرب إقليمية أوسع، قد تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط لسنوات قادمة.