تشهد الساحة الإقليمية والدولية حراكًا دبلوماسيًا متسارعًا، مع تكثيف الاتصالات بين عواصم عدة لبحث سبل إنهاء الحرب الدائرة، وسط تأكيدات إيرانية على أن أي تفاهم لن يكون ممكنًا دون التزام أميركي بوقف إطلاق النار على جميع الجبهات، خاصة في لبنان، فيما تدخلت أطراف إقليمية ودولية لدعم المسار التفاوضي المقترح من باكستان.
الموقف الإيراني
أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن محادثات إنهاء الحرب مرهونة بالتزام الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار الشامل، مشيرة إلى أن لبنان يمثل جزءًا لا يتجزأ من أي تفاهم مطروح.
وأضافت الوزارة أن المشاركة في محادثات باكستان المقررة غدًا الجمعة ستتحدد بناءً على هذا الالتزام، موضحة أنه في حال تأكيد المشاركة سيتم الإعلان عن تشكيلة الوفد الإيراني المشارك.
التحرك القطري
أعلن الديوان الأميري في قطر أن أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أجرى اتصالًا هاتفيًا مع رئيس وزراء باكستان لمناقشة تطورات الأوضاع الإقليمية.
وخلال الاتصال، أطلع رئيس الوزراء الباكستاني أمير قطر على تفاصيل الاتفاق المقترح لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، في خطوة تعكس الدور الباكستاني المتنامي كوسيط في هذه الأزمة.
الموقف الفرنسي
من جانبه، شدد المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية في تصريحات صحفية على أن باريس تواصل العمل مع الأطراف المعنية لمنح الدبلوماسية فرصة كاملة في المفاوضات الأميركية–الإيرانية.
وأكد أن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل لبنان، مع ضرورة حماية الشركاء المستهدفين في المنطقة، وأضاف أن الجهود الفرنسية تركز على معالجة جذور الأزمة، بما في ذلك ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية.
تشهد الساحة الإقليمية تصاعدًا خطيرًا في التوتر بين إيران وإسرائيل، وسط خلافات عميقة حول نطاق اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم بين واشنطن وطهران وبينما تؤكد إيران أن الاتفاق يشمل جميع الجبهات بما فيها لبنان، تصر الولايات المتحدة وإسرائيل على استثناء الساحة اللبنانية، ما يفتح الباب أمام احتمالات مواجهة جديدة.
الموقف الإيراني: تحذيرات وتصعيد لهجة
أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان يقوّض الاتفاق مع الولايات المتحدة، مؤكدًا أن واشنطن أمام خيارين: الالتزام بوقف إطلاق النار أو الاستمرار في الحرب عبر إسرائيل.
وأضاف عراقجي في منشور على منصة "إكس" أن "العالم يرى المجازر في لبنان"، مشددًا على أن الكرة الآن في ملعب واشنطن، وأن التزامها سيحدد مستقبل الاتفاق.
كما أعاد نشر تغريدة لرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الذي أكد أن الاتفاق يشمل لبنان، في تناقض مع الرواية الأميركية والإسرائيلية.
الموقف الأميركي: استثناء لبنان من الاتفاق
من جانبها، أوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن لبنان غير مشمول باتفاق وقف إطلاق النار، مشيرة إلى أن الملف سيبقى موضع نقاش بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وكذلك مع الأطراف الأخرى.
هذا الموقف يعكس تباينًا واضحًا بين واشنطن وطهران حول نطاق الاتفاق، ويزيد من احتمالات التصعيد في الساحة اللبنانية.
تقديرات إسرائيلية: رد إيراني محتمل
ذكرت هيئة البث الإسرائيلية "كان" أن لدى إسرائيل معلومات تفيد بأن إيران تدرس شن هجمات ردًا على استمرار الغارات في لبنان، مشيرة إلى أن مسؤولين إيرانيين أطلقوا تهديدات صريحة بهذا الشأن.
ومن المقرر أن يجتمع المجلس الوزاري المصغر (الكابينيت) لبحث السيناريوهات المحتملة، بما في ذلك ردود إسرائيلية ممكنة، وسط تقديرات بأن المواجهة مع إيران قد تكون في "مرحلتها الختامية" مؤقتًا، مع احتمال توسيع نطاق الهدنة لاحقًا.
استياء داخل إسرائيل: "وقف الحرب جاء مبكرًا"
أفادت مصادر أمنية إسرائيلية أن اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران تم دون تشاور فعلي مع إسرائيل، ما أثار استياءً واسعًا داخل الأجهزة الأمنية.
وقال مصدر إسرائيلي إن هناك "شعورًا بالإحباط"، مضيفًا أن وقف الحرب فُرض على إسرائيل، وأنها طلبت من ترامب فصل لبنان عن إيران، وهو ما تحقق.
كما أشارت صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن إسرائيل علمت بالاتفاق في وقت متأخر، عبر مكالمة قصيرة بين ترامب ونتنياهو، ما عزز حالة عدم الرضا في تل أبيب.
الميدان: استمرار الغارات رغم الهدنة
ميدانيًا، واصلت إسرائيل تنفيذ غارات واسعة في لبنان، وُصفت بأنها الأكبر منذ بدء الحرب مع إيران، رغم دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ.
وأفادت مصادر أمنية بأن سلاح الجو الإسرائيلي شن موجة جوية بمشاركة مئات الطائرات استهدفت مواقع إيرانية، فيما ردت طهران بإطلاق أقل من عشرة صواريخ، خلافًا للتقديرات التي توقعت رشقات واسعة.
هذا التداخل بين العمليات العسكرية والهدنة يعكس هشاشة الاتفاق، ويزيد من احتمالات انهياره.
مستقبل الاتفاق: مفاوضات حاسمة في إسلام أباد
تستعد الأطراف لجولة مفاوضات جديدة في إسلام أباد، وسط فجوات عميقة حول البرنامج النووي الإيراني، دور حزب الله، ومستقبل التهدئة في المنطقة.
وتلوّح طهران بالانسحاب من الاتفاق وإغلاق مضيق هرمز إذا استمر التصعيد في لبنان، ما يربط بشكل مباشر بين الجبهة اللبنانية واستقرار الهدنة.
رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، فإن المعطيات تشير إلى أن القتال تراجع لكنه لم يتوقف، وسط هجمات متبادلة وتقديرات باستمرار التوتر، ويبدو أن الساحة اللبنانية ستظل محورًا رئيسيًا في تحديد مستقبل الاتفاق بين واشنطن وطهران، في ظل غياب توافق حول نطاقه.