في وقتٍ تتجه فيه الأنظار إلى العاصمة الأميركية واشنطن حيث تنطلق جولة جديدة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، تتواصل الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار بوتيرة متصاعدة، ما يضع المسار السياسي أمام اختبار حقيقي منذ لحظاته الأولى.
وبينما يُفترض أن تبحث هذه الجولة تمديد الهدنة وتثبيتها، ترسم التطورات الميدانية في جنوب لبنان مشهدًا مغايرًا، عنوانه التصعيد، وسقوط الضحايا، واتساع رقعة الدمار.
موجات قصف هي الأعنف منذ بدء سريان الهدنة
فقد شهد يوم الأربعاء واحدة من أعنف موجات القصف منذ بدء سريان الهدنة، حيث نفّذ الجيش الإسرائيلي عشرات الغارات الجوية التي طالت مناطق متفرقة في الجنوب والبقاع، مخلفة ستة قتلى وعددًا من الجرحى، فضلًا عن أضرار واسعة في الممتلكات.
ولم تقتصر الهجمات على استهداف مواقع محددة، بل امتدت لتشمل منازل مدنية ومركبات، في مشهد يعكس تصعيدًا نوعيًا في طبيعة الضربات واتساع نطاقها.
وترافقت هذه الغارات مع تحليق مكثف للطائرات المسيّرة فوق العاصمة بيروت ومناطق الجنوب، ما يعزز حالة التوتر ويثير مخاوف السكان من احتمال توسع العمليات العسكرية في أي لحظة، خصوصًا في ظل غياب مؤشرات واضحة على التهدئة الميدانية.
استهداف الصحافة جريمة تهز المشهد
في تطور أثار صدمة واسعة، ارتقت الصحفية آمال خليل، العاملة في جريدة "الأخبار"، إثر استهداف مباشر طالها أثناء تغطيتها للأحداث في بلدة الطيري جنوب لبنان.
وكانت خليل قد احتمت داخل أحد المنازل بعد غارة أولى استهدفت مركبة قريبة، قبل أن يُقصف المكان نفسه، ما أدى إلى ارتقائهما تحت الأنقاض.
وأُصيبت زميلتها زينب فرج خلال الحادثة، وسط صعوبات كبيرة واجهت فرق الإسعاف التي مُنعت من الوصول إلى الموقع نتيجة استمرار القصف في محيطه.
ولم يتم انتشال جثمان خليل إلا بعد ساعات، في واقعة تعكس حجم المخاطر التي يواجهها الصحفيون في مناطق النزاع.
وقد أثار هذا الاستهداف ردود فعل غاضبة، إذ اعتبرته جهات لبنانية، رسمية وحزبية، جريمة متعمدة تهدف إلى إسكات الصوت الإعلامي ومنع توثيق الانتهاكات على الأرض.
طالع أيضا: واشنطن تستضيف جولة حاسمة.. لبنان يسعى لتمديد الهدنة وإسرائيل تضغط لمواجهة حزب الله
موقف لبناني حازم قبيل مفاوضات واشنطن
سياسيًا، أدان الرئيس اللبناني جوزاف عون ارتقاء الصحافية، معتبرًا أن استهداف الإعلاميين بشكل مباشر يعكس محاولة إسرائيلية لإخفاء ما وصفه بـ"الارتكابات العدوانية".
وشدد على أن هذه الاعتداءات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية تستوجب تدخلًا دوليًا لوقفها.
وأكد عون أن لبنان سيدخل مفاوضات واشنطن بموقف واضح يقوم على رفض أي تنازل يمس السيادة الوطنية، مشيرًا إلى أن الأولوية تكمن في وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب القوات من المناطق التي توغلت فيها خلال فترة الهدنة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتصاعد فيه المخاوف من أن تتحول المفاوضات إلى مجرد غطاء سياسي لاستمرار العمليات العسكرية، خصوصًا في ظل التباين الكبير بين الوقائع الميدانية والتصريحات الدبلوماسية.
تصعيد ميداني وتبريرات متبادلة
في المقابل، يواصل الجيش الإسرائيلي تبرير هجماته بأنها تأتي في إطار إحباط تهديدات، معلنًا تنفيذ عمليات استهداف لعناصر من حزب الله، من بينها غارة قال إنها أدت إلى مقتل عنصر كان ينشط في موقع إطلاق جنوب البلاد.
كما أعلن الجيش اعتراض هدف جوي مشبوه في الجنوب، دون تقديم تفاصيل إضافية، في وقت اتهم فيه حزب الله بإطلاق صاروخ مضاد للدروع باتجاه قواته، معتبرًا ذلك خرقًا صارخًا لاتفاق وقف إطلاق النار.
تحذيرات لسكان جنوب لبنان
وفي موازاة ذلك، أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرات لسكان جنوب لبنان، دعاهم فيها إلى عدم التحرك في عشرات القرى أو العودة إليها، مبررًا ذلك بوجود نشاطات مستمرة لحزب الله، وهو ما يزيد من تعقيد الوضع الإنساني ويعيق عودة النازحين إلى منازلهم.
حزب الله: الرد مستمر والاغتيال جريمة مكتملة
من جهته، دان حزب الله استهداف الصحفية آمال خليل، واصفًا ما جرى بأنه جريمة وحشية مكتملة الأركان، ومؤكدًا أن الاعتداء يندرج ضمن سياسة ممنهجة لإسكات الإعلام الحر.
كما أعلن الحزب مواصلة عملياته ضد مواقع وآليات إسرائيلية، مستخدمًا الطائرات المسيّرة والقذائف، في إطار ما وصفه بـ"الرد على الخروقات"، ما يعكس استمرار قواعد الاشتباك المفتوحة رغم الهدنة.
ويؤشر هذا التصعيد المتبادل إلى هشاشة الوضع الميداني، حيث يبدو أن أي حادث قد يتحول إلى شرارة لتوسع المواجهات، في ظل غياب آلية فعالة لضبط الانتهاكات أو احتوائها.
تفجيرات وحرائق.. الجنوب تحت النار
ميدانيًا، نفذت القوات الإسرائيلية عمليات تفجير واسعة في عدد من بلدات الجنوب، أبرزها بيت ليف وبنت جبيل وحولا، حيث سُمعت أصوات الانفجارات في مناطق بعيدة مثل مدينة صور.
كما أُحرقت منازل في بلدة ميس الجبل، وتعرضت أطراف بلدة يحمر الشقيف لقصف مدفعي.
وتعكس هذه العمليات نمطًا من التدمير الممنهج للبنية التحتية والممتلكات، ما يزيد من معاناة السكان ويؤخر أي جهود لإعادة الاستقرار إلى المنطقة.
روايات متضاربة حول الميدان
وفي حادثة أخرى، أعلن الجيش الإسرائيلي اعتقال عنصر من وحدة "رضوان" التابعة لحزب الله، مدعيًا أنه كان يخطط لهجوم وشيك، وأنه استسلم خلال عملية تمشيط.
غير أن رواية ميدانية نقلتها وسائل إعلام لبنانية تناقض هذا الادعاء، إذ تحدثت عن جريح اضطر إلى تسليم نفسه للقوات الإسرائيلية بعد تهديدها بقصف سيارة إسعاف كانت تنقله، في خطوة هدفت إلى حماية الطواقم الطبية وسكان المنطقة.
ويبرز هذا التباين في الروايات حجم الضبابية التي تكتنف المشهد، وصعوبة التحقق من الوقائع في ظل استمرار العمليات العسكرية.
في ظل هذا التصعيد، تبدو مفاوضات واشنطن محاطة بتحديات كبيرة، إذ يصعب تحقيق تقدم سياسي في وقت تستمر فيه العمليات العسكرية بوتيرة مرتفعة.
كما أن ارتباط الملف اللبناني بتطورات إقليمية أوسع، خصوصًا ما يتعلق بالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، يزيد من تعقيد المشهد.
ويرى مراقبون أن أي اختراق في المسار التفاوضي سيظل هشًا ما لم يُترجم إلى تهدئة فعلية على الأرض، وهو أمر لا تبدو مؤشراته متوافرة حتى الآن.
وبين هدنة تتآكل تحت وقع الغارات، ومفاوضات تسابق الزمن لتفادي الانفجار، يقف جنوب لبنان على مفترق طرق حاسم، فإما أن تنجح الجهود الدبلوماسية في كبح جماح التصعيد، أو أن تنزلق الأوضاع نحو مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود الجنوب، في ظل واقع ميداني مفتوح على كل الاحتمالات.