من التوغّل إلى التمركز.. إسرائيل ترسّخ وجودها العسكري داخل الجنوب السوري

الجيش الإسرائيلي في سوريا-shutterstock

الجيش الإسرائيلي في سوريا-shutterstock

تواصل القوات الإسرائيلية توسيع نطاق وجودها العسكري داخل الأراضي السورية، بالتزامن مع تكثيف التوغلات في ريفي القنيطرة ودرعا، وإنشاء منظومة تحصينات ومواقع عسكرية تمتد على طول المنطقة الحدودية في الجولان، في تطور يعكس انتقالًا تدريجيًا من العمليات الميدانية المؤقتة إلى نمط أكثر ثباتًا من السيطرة والتحرك داخل الأراضي السورية.

وأفادت معطيات إسرائيلية جديدة أوردتها صحيفة يديعوت أحرونوت، عبر موقعها الإلكتروني واينت، بأن الجيش الإسرائيلي بات يتعامل مع المنطقة وفق نموذج أمني جديد، يقوم على الاحتفاظ بوجود عسكري دائم والتحرك بصورة منتظمة داخل القرى والبلدات السورية الواقعة جنوب البلاد.


وفي أحدث هذه التحركات، توغلت قوات إسرائيلية، الأحد، داخل قرية الصمدانية الشرقية في ريف القنيطرة الأوسط، مستخدمة دبابتين وعددًا من الآليات العسكرية التي كانت تقل جنودًا، وفق ما نقلته قناة الإخبارية السورية، في خطوة تأتي ضمن سلسلة تحركات عسكرية متكررة تشهدها المنطقة.


وفي ريف درعا الغربي، أفادت القناة نفسها بأن القوات الإسرائيلية أفرجت عن شاب كانت قد اعتقلته ليل السبت من قرية معرية، دون أن تتضح أسباب الاعتقال أو الظروف التي أحاطت بعملية الإفراج عنه.


تحصينات تمتد على طول الجولان


وبحسب تقرير واينت، يعمل الجيش الإسرائيلي منذ نحو عامين على مشروع هندسي يحمل اسم شرق جديد، ويهدف إلى إقامة منظومة تحصينات واسعة على امتداد المنطقة الحدودية جنوبي سورية.


وذكر التقرير أن الجيش أنجز نحو 80% من أعمال حفر خنادق تمتد من منطقة مجدل شمس شمالًا وصولًا إلى المثلث الحدودي جنوبًا.


ويبلغ عرض الخنادق وعمقها قرابة أربعة أمتار، إلى جانب إنشاء سواتر ترابية مرتفعة تهدف إلى تعزيز القدرة الدفاعية ومنع أو إبطاء أي تحرك بري باتجاه المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل.


وأرجع التقرير تأخر استكمال المشروع عن الجدول الزمني المحدد إلى انشغال المعدات الهندسية الإسرائيلية بعمليات عسكرية في لبنان، حيث تستخدم في عمليات هدم وتدمير منشآت ومواقع تقول إسرائيل إنها مرتبطة ببنى إرهابية.


وتقول المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إن شبكة الخنادق والسواتر تشكل جزءًا من منظومة دفاعية هدفها إبطاء أي تقدم بري، بينما تخضع نقاط العبور المحتملة للمراقبة والتغطية النارية، بما في ذلك بواسطة المدفعية.


لكن الوجود الإسرائيلي لا يقتصر على التحصينات المحاذية لخط وقف إطلاق النار، إذ كشف التقرير أن لواء الجولان 474 يحتفظ حاليًا بشريط عسكري داخل الأراضي السورية يضم نحو تسعة مواقع بحجم سرية، فيما تتحرك قواته بصورة منتظمة داخل القرى والبلدات والمناطق المفتوحة.


طالع أيضا: هرمز على أبواب التهدئة.. إيران وعُمان تقتربان من اتفاق ملاحي وفتح المضيق مرهون بشروط


وجود عسكري متزايد بعد سقوط الأسد


ويأتي هذا الانتشار بعد سيطرة إسرائيل على المنطقة السورية العازلة ومواقع إضافية عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وإعلانها من جانب واحد انهيار اتفاق فصل القوات الموقع عام 1974.


في المقابل، تتمسك دمشق بالاتفاق وتطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي، معتبرة استمرار التوغلات والوجود العسكري انتهاكًا لسيادة سورية وترتيبات وقف إطلاق النار المعمول بها منذ عقود.


وكشف التقرير الإسرائيلي عن تحول في طريقة تعامل المؤسسة العسكرية مع المنطقة، إذ قال أحد ضباط قيادة المنطقة الشمالية إن الجيش لم يعد يبني استجابته الدفاعية على تحديد هوية الخصم مسبقًا، سواء كان حزب الله أو الجيش السوري أو مجموعات مسلحة أخرى، وإنما ينطلق من تقييم القدرات العسكرية لأي جهة موجودة في المنطقة.


وقال الضابط إن الجيش لم يعد يحدد الرد الدفاعي وفق هوية العدو الموجود أمامه، بل ينظر إلى قدراته وما يمكن أن يكون قادرًا على تنفيذه عسكريًا.


المدنيون تحت الاشتباه


وتثير هذه المقاربة مخاوف إضافية بشأن السكان المدنيين في القرى الواقعة ضمن نطاق التحركات الإسرائيلية، إذ نقل التقرير عن الضابط نفسه قوله إن الجيش يتعامل مع المدني أو راعي الأغنام الذي يتحرك في المنطقة باعتباره شخصًا قد يكون مسلحًا ويشكل تهديدًا.


وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة في ظل وجود قرى فقيرة وعائلات مدنية تعتمد على تربية أعداد محدودة من الأغنام والدواجن، بينما تتحرك القوات الإسرائيلية بصورة متكررة بين المنازل والتجمعات السكانية.


وأقر التقرير بصعوبة التمييز ميدانيًا بين المدنيين والمسلحين، مشيرًا إلى أن هذه الصعوبة تُستخدم في تفسير استمرار العمليات داخل القرى والبلدات السورية، بما يشمل المداهمات والاعتقالات والتحركات الليلية.


ومن بين الوقائع التي أوردها التقرير حادثة وقعت أواخر يونيو/حزيران الماضي في منطقة عابدين غربي محافظة درعا، عندما تعرض رتل إسرائيلي للرشق بالحجارة أثناء انسحاب جزء من القوات إلى أحد المواقع العسكرية.


وبحسب الرواية الإسرائيلية، تطور الحادث لاحقًا إلى إطلاق نار، فردت القوات باستخدام النيران وقذائف الهاون، فيما نفذت مروحية قتالية إسرائيلية غارة في المنطقة.


ولم تسجل إصابات في صفوف القوات الإسرائيلية، لكنها تركت خلفها عددًا من المعدات، بينها هاتف عسكري مصنف، قال الجيش إنه تمكن من تعطيله عن بُعد.


وعقب الحادث، أجرى الجيش مراجعة للعملية، فيما باتت القوات تنفذ جزءًا كبيرًا من تحركاتها داخل بعض القرى، وبينها عابدين، خلال ساعات الليل، وفق التقرير.


توغلات متواصلة


وتتكرر التوغلات الإسرائيلية في جنوب سورية بصورة شبه مستمرة، وتشمل إقامة حواجز عسكرية وتفتيش المارة والمنازل واعتقال مدنيين، إلى جانب تحركات الآليات والقوات داخل القرى والمناطق الزراعية.


والجمعة، توغلت قوة إسرائيلية مؤلفة من خمس آليات عسكرية في قرية عين زيوان بريف القنيطرة الجنوبي، وأقامت حاجزًا داخل القرية، في خطوة جديدة تعكس اتساع نطاق التحركات الإسرائيلية في المنطقة.


وتقول إسرائيل إن عملياتها تهدف إلى منع تمركز جهات تعتبرها معادية بالقرب من حدودها، فيما تؤكد أن قواتها تسعى إلى تجنب المساس بحياة السكان المدنيين، غير أن استمرار التوغلات والاعتقالات وإقامة المواقع والتحصينات العسكرية يعكس واقعًا ميدانيًا متغيرًا على الأرض.


وتشير المعطيات الإسرائيلية الجديدة، في مجملها، إلى أن الوجود العسكري في جنوب سورية لم يعد يقتصر على توغلات محدودة أو دوريات متفرقة، بل يتجه نحو بنية أكثر رسوخًا، تجمع بين المواقع العسكرية والتحصينات الهندسية والتحركات المنتظمة داخل القرى.


وفي ظل استمرار دمشق في المطالبة بانسحاب القوات الإسرائيلية والعودة إلى ترتيبات اتفاق فصل القوات لعام 1974، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة من التوتر، عنوانها الأبرز تثبيت الوجود العسكري الإسرائيلي وتوسيع نطاق السيطرة الميدانية في الجنوب السوري.

يتم الاستخدام المواد وفقًا للمادة 27 أ من قانون حقوق التأليف والنشر 2007، وإن كنت تعتقد أنه تم انتهاك حقك، بصفتك مالكًا لهذه الحقوق في المواد التي تظهر على الموقع، فيمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي: info@ashams.com والطلب بالتوقف عن استخدام المواد، مع ذكر اسمك الكامل ورقم هاتفك وإرفاق تصوير للشاشة ورابط للصفحة ذات الصلة على موقع الشمس. وشكرًا!