من "الأرض المجانية" للجنود إلى مجد الكروم.. كيف يدخل الجليل في حسابات الاستيطان؟
لم تعد قضية الأرض في الجليل تطرح فقط في إطار التخطيط وتوسيع البلدات، بل باتت حاضرة بصورة مباشرة في الخطاب السياسي الإسرائيلي، بالتزامن مع طرح خطط لتوسيع الاستيطان اليهودي في المنطقة، وربط بعض برامج الأراضي بالخدمة العسكرية، فيما أعادت البؤرة التي أقيمت قرب مجد الكروم ثم أُخليت، قبل أن تعود إلى الواجهة سياسيًا، النقاش حول مستقبل الأرض في الجليل إلى الواجهة من جديد.
·مجد الكروم- من اليمين: نشطاء ومتظاهرون أمام البؤرة الاستيطانية في مجد الكروم
من اليسار: صورة للبؤرة الاستيطانية
في أحدث التطورات، عقد حزب "الصهيونية الدينية" برئاسة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، اليوم الأربعاء، اجتماعًا لكتلته في الموقع الذي أقيمت فيه البؤرة قرب مجد الكروم، بعد أيام من تفكيكها إثر احتجاجات وتحركات قانونية، وجاء الاجتماع في سياق برنامج انتخابي أعلنه الحزب لتوسيع ما يصفه بـ"ثورة الاستيطان" من الضفة الغربية إلى النقب والجليل.
وكان سموتريتش قد أعلن في 27 أغسطس خطة انتخابية تحت عنوان "يهودية النقب والجليل"، تتضمن، بحسب ما نشره حزبه، إضافة نحو مليون يهودي إلى المنطقتين من خلال إقامة 40 مستوطنة وبلدة جديدة وعشرات المزارع، إلى جانب توسيع بلدات يهودية قائمة وإنشاء مئات آلاف الوحدات السكنية، كما دعا إلى تعزيز تطبيق قوانين البناء وتقليص ما وصفه بالبناء غير القانوني، مع إعطاء أولوية لتطوير الاستيطان اليهودي.
وتضمنت خطة سموتريتش كذلك حوافز اقتصادية لجذب سكان يهود إلى الجليل والنقب، ومن بينهم الجنود وجنود الاحتياط والأطباء والمعلمون والعاملون في قطاع التكنولوجيا، فيما أعلن أن هدف الخطة هو نقل ما وصفه بـ"الثورة" التي قادها في الضفة الغربية إلى الجليل والنقب.
ولم يأت هذا الطرح بمعزل عن مواقف رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي قال في 30 أغسطس إن حكومته تعمل على توسيع الاستيطان اليهودي في النقب والجليل، وتحدث عن منح جنود الاحتياط أفضلية في الحصول على الأراضي، كما قال إن فريقًا يعمل على إدخال "المزارع" إلى المنطقتين بهدف تعزيز الاستيطان فيهما، مضيفًا أن الحكومة ستتجاوز العقبات القانونية أمام هذه الخطوات.
من الخدمة العسكرية إلى الأرض
أما ربط الحصول على الأراضي بالخدمة العسكرية، فليس جديدًا في الخطاب الحكومي الإسرائيلي، ففي فبراير 2024، أعلن نتنياهو أنه سيعمل على تشريع يمنح الجنود المسرحين تخفيضات كبيرة على أسعار الأراضي في الجليل والنقب ومناطق الأولوية الوطنية.
وقال نتنياهو آنذاك إن الجندي المسرح الذي لا يملك منزلًا سيحصل على تخفيض بنسبة 90% على الأرض، فيما تصل النسبة إلى 95% للجندي المقاتل المسرح الذي لا يملك منزلًا، ووصف ذلك بأنه "شبه مجاني"، مبررًا السياسة بمكافأة الجنود الذين خدموا في الجيش.
وفي 22 سبتمبر 2026، عاد هذا الربط بصورة أوضح في برنامج وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الانتخابي، إذ أعلن أنه سيطالب بحقيبة الأمن في الحكومة المقبلة، وطرح ضمن برنامجه زيادة أجور الجنود، وتغيير تعليمات إطلاق النار، وتقديم دعم أكبر لهم، إضافة إلى منح أراضٍ مجانية للجنود المقاتلين.
وبذلك، يظهر ملف الأرض في الخطاب السياسي الإسرائيلي الحالي من أكثر من زاوية: حوافز للسكان اليهود للانتقال إلى الجليل والنقب، وأفضلية لجنود الاحتياط، ومقترحات لمنح أراضٍ للمقاتلين، إلى جانب خطط لتوسيع البلدات وإقامة مزارع ونقاط جديدة في مناطق تقول الحكومة إنها تحتاج إلى تعزيز الاستيطان اليهودي فيها.
مجد الكروم.. من الرعي إلى البؤرة
في خضم هذه السياسات، برزت قضية مجد الكروم خلال سبتمبر الحالي بعد إقامة مجموعة من الشبان القادمين من مستوطنات في الضفة الغربية خيامًا في منطقة "الروس" الواقعة ضمن نفوذ البلدة.
وبحسب مركز "عدالة"، فإن البؤرة أقيمت على قطعة أرض تبلغ مساحتها نحو 8.7 دونمات، وتظهر سجلات الأراضي أن ملكيتها مختلطة، إذ تعود 50% منها إلى سكان من مجد الكروم، بينما تعود النسبة المتبقية إلى "سلطة التطوير". وأكد المركز أنه تحرك قانونيًا للمطالبة بإزالة البؤرة وتمكين أصحاب الأراضي من الوصول إليها.
في المقابل، قال الصندوق القومي اليهودي إن الأرض مؤجرة لأغراض رعي المواشي، وليس لإقامة بؤرة سكنية، لكن تقارير إسرائيلية تحدثت عن نصب خيام وتجهيزات كهرباء ومياه وأثاث في الموقع، في وقت لم تظهر فيه مواشٍ في المكان خلال إحدى الجولات التي غطتها وسائل الإعلام.
وأفادت تقارير بأن الشبان الذين أقاموا الموقع قدموا من إحدى مستوطنات الضفة الغربية، فيما قالت جهات محلية إن وجودهم أثار مخاوف من تحويل نشاط الرعي إلى وجود دائم في المنطقة.
وبعد الاحتجاجات والتحرك القانوني، جرى تفكيك البؤرة وإخلاء الموقع، لكن ذلك لم ينهِ القضية، إذ ظهرت خطة لإعادة تنظيم النشاط في موقع قريب، بعيدًا عن منازل مجد الكروم، مع تقليص عدد الخيام والاستعانة بحراس محليين من منظمة "هشومير هحداش" بدل الشبان الذين قدموا من الضفة الغربية.
وبحسب الخطة، سيخصص الموقع للرعي، مع السماح بخيمتين فقط لإيواء قطيع الماعز وتأمين مكان للحراس ليلًا وتخزين المؤن، فيما يقول الصندوق القومي اليهودي إن الأراضي التي سيقام عليها الموقع الجديد تابعة له.
لماذا تحولت مجد الكروم إلى قضية سياسية؟
تزامن ما جرى في مجد الكروم مع انتقال ملف الجليل والنقب إلى مركز الخطاب الانتخابي لليمين الإسرائيلي، ولا سيما بعد خطة سموتريتش التي تربط بين توسيع الاستيطان اليهودي وتقليص البناء العربي وتعزيز السيطرة على أراضي الدولة.
وفي هذا السياق، قال المجلس المحلي في مجد الكروم إن إقامة البؤرة لا يمكن التعامل معها باعتبارها نشاطًا زراعيًا مؤقتًا، معتبرًا أنها تفرض واقعًا جديدًا على الأرض وتؤثر في حقوق سكان البلدة في الوصول إلى أراضيهم.
في المقابل، تقول الجهات المرتبطة بالنشاط في الموقع إن الهدف هو الرعي وإدارة الأراضي، فيما يطرح الصندوق القومي اليهودي النشاط في إطار استخدام الأرض للرعي وليس إقامة مستوطنة سكنية. وهذا التباين بين الوصف الرسمي للنشاط والقراءة التي يقدمها معارضوه هو أحد محاور الخلاف الأساسية في القضية.
لكن التطور السياسي الأبرز جاء اليوم، مع عقد حزب سموتريتش اجتماعًا في الموقع الذي أُخليت منه البؤرة، في خطوة أعادت ربط القضية المحلية بالمشروع السياسي الأوسع الذي أعلنه الحزب بشأن الجليل والنقب.
سياسة الأرض والبلدات العربية
تكمن حساسية هذه التطورات بالنسبة للمجتمع العربي في الجليل في أن القضية لا تتعلق فقط بوجود خيام أو نشاط رعوي في قطعة أرض محددة، وإنما تتقاطع مع أسئلة أوسع حول التخطيط، وتوسيع البلدات، وتخصيص الأراضي، ومن يحصل على الأولوية في تطوير المناطق الشمالية.
تابعوا الشمس على تلغرامأخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشرانضم للقناة
خطة سموتريتش نفسها لا تقتصر على إنشاء بلدات جديدة، بل تتضمن أيضًا إلغاء ما وصفه الحزب بـ"الخطط المتهورة" التي أُقرت في البلدات العربية، والتي قال إنها تستحوذ على احتياطات كبيرة من الأراضي وتهدد إمكانات التطوير والاستيطان اليهودي، إلى جانب تشديد تطبيق قوانين البناء وتعزيز تطوير البلدات اليهودية.
מחפשים מה לעשות עם הילדים בחג הסוכות, בלי פקקים ובלי בלגן?
בואו לראות בעיניים את מהפכת ההתיישבות ולהרגיש את הביטחון שהיא מעניקה למדינת ישראל.
وهذا يجعل النقاش حول الأرض في الجليل يتجاوز مسألة الإسكان وحدها، ليتصل بكيفية توزيع موارد التخطيط والأراضي بين البلدات، وبالأهداف التي تضعها الحكومة للمنطقة خلال السنوات المقبلة.
وفي المقابل، يقدم مؤيدو السياسة الحكومية هذه الإجراءات باعتبارها جزءًا من خطة لتطوير النقب والجليل، وزيادة عدد السكان، وتعزيز الأمن والاستيطان، وجذب فئات مهنية وشابة إلى مناطق تقول الحكومة إنها تحتاج إلى نمو اقتصادي وديموغرافي.
الجليل بين السياسة والواقع على الأرض
لا تثبت التطورات في مجد الكروم، بمفردها، وجود سياسة موحدة تجمع كل هذه الخطوات في مشروع واحد، لكنها تأتي في توقيت تتزامن فيه عدة سياسات وتصريحات معلنة حول توسيع الاستيطان اليهودي في الجليل والنقب، ومنح حوافز مرتبطة بالخدمة العسكرية، وإقامة مزارع ونقاط جديدة، وإعادة النظر في خطط البناء في البلدات العربية.
ومن هنا تكتسب قضية مجد الكروم أهمية تتجاوز حدود البؤرة التي أقيمت ثم أُخليت، إذ أصبحت مثالًا عمليًا على التوتر الذي يمكن أن ينشأ عندما تتقاطع سياسات إدارة الأراضي مع النشاط الرعوي، وحقوق الملكية، والتوسع العمراني للبلدات العربية، والسياسات الحكومية الرامية إلى تعزيز الوجود اليهودي في المنطقة.
הניסיון לקנות שקט מלאכותי בהווה בנגב ובגליל עלול, חלילה, להוביל לשביעי באוקטובר הבא. pic.twitter.com/XClczHjoLP
أما اجتماع حزب سموتريتش في موقع البؤرة بعد إخلائها، فيضيف بعدًا سياسيًا جديدًا إلى القضية، خصوصًا أنه جاء بعد أسابيع قليلة من إعلان الحزب خطته لتوسيع الاستيطان في الجليل والنقب، وبعد تصريحات نتنياهو حول منح الأفضلية لجنود الاحتياط وتوسيع "المزارع" في المنطقتين.
وبذلك، لا تبدو قضية مجد الكروم مجرد خلاف حول موقع للرعي، كما أنها لا تكفي وحدها لإثبات تغيير ديموغرافي شامل، لكنها تكشف كيف باتت الأرض في الجليل جزءًا من برنامج سياسي وانتخابي أوسع، تتداخل فيه قضايا الاستيطان، والتخطيط، والخدمة العسكرية، وتوزيع الأراضي، ومستقبل البلدات العربية واليهودية في المنطقة.
يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.
في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.
يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.