من الجامعة إلى سوق العمل، لم تعد الشهادة الجامعية وحدها كافية لضمان المسار المهني، وبين تحديات التعليم، واختيار مكان الدراسة، والقيود القانونية، وفجوات سوق العمل، يجد الشباب العرب أنفسهم أمام معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد الحصول على شهادة.
·صورة لجامعة بيرزيت- المصدر: صفحة الجامعة على فيسبوك
منذ سنوات طويلة، اختارت آلاف العائلات العربية الاستثمار في التعليم باعتباره أحد أهم الطرق نحو مستقبل أفضل، فالشهادة الجامعية لم تكن مجرد إنجاز أكاديمي، بل وسيلة لتحسين الدخل، ورفع المكانة الاجتماعية، والوصول إلى مهنة أكثر استقرارًا.
لكن مع ارتفاع أعداد الطلاب العرب في التعليم العالي، باتت الأسئلة التي تلي الحصول على الشهادة أكثر تعقيدًا: أين يمكن الدراسة؟ هل ستكون الشهادة قابلة للاستخدام في المجال المهني المطلوب؟ وما حجم الفرص المتاحة أمام الخريج بعد سنوات من الدراسة؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية إضافية في ظل تشريعات جديدة تمس بعض المسارات المهنية، إلى جانب استمرار فجوات في سوق العمل، خصوصًا في القطاعات التي تتطلب مؤهلات أكاديمية متقدمة.
عندما يصبح مكان الدراسة عاملًا في مستقبل الخريج
في 21 يناير 2026، أقر الكنيست قانونًا يمنع تشغيل حاملي شهادات أكاديمية من مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية في جهاز التعليم الإسرائيلي، بما يشمل وظائف المعلمين ومديري المدارس والمشرفين التربويين، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الفلسطينية، فيما يوضح مركز عدالة أن القانون عُدّل ضمن قانون التعليم الرسمي وقانون الإشراف على المدارس.
وبحسب النص الذي نشره مركز عدالة، لا يشمل القانون من كانوا يعملون أصلًا في جهاز التعليم قبل دخوله حيز التنفيذ، كما يتضمن أحكامًا انتقالية تتعلق بمن حصلوا على الشهادة قبل سنّه أو أتموا سنة أكاديمية كاملة من دراستهم.
وهذا التفصيل مهم، لأن القضية لا تعني أن جميع الشهادات الصادرة عن الجامعات الفلسطينية أصبحت بلا قيمة، وإنما أن القانون يفرض قيدًا محددًا على استخدامها للتوظيف في جهاز التعليم.
لكن تأثيره يبدأ قبل التخرج بسنوات، لأن الطالب الذي يفكر في دراسة تخصص تربوي في جامعة فلسطينية بات مضطرًا إلى إدخال عامل جديد في قراره: ماذا سيحدث عندما أحصل على الشهادة وأبحث عن وظيفة؟
لماذا الجامعات الفلسطينية خيار لبعض الطلاب العرب؟
بالنسبة إلى طلاب من الداخل والقدس الشرقية، شكّلت الجامعات الفلسطينية مسارًا أكاديميًا متاحًا في عدد من التخصصات، ولا سيما في المجالات التي ترتبط بالتعليم والعمل باللغة العربية.
وفي جلسة للجنة التعليم في الكنيست خلال 2026، ورد أن نحو 30% من خريجي إحدى مدارس القدس الشرقية الذين واصلوا تعليمهم الأكاديمي اتجهوا إلى دراسة الطب في جامعات فلسطينية، مع الإشارة إلى أن متطلبات القبول في بعض المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية، ومنها الامتحان السيكومتري، تشكل عائقًا أمام بعض الطلاب، وفق ما عرضه مدير المدرسة أمام اللجنة.
ومن هنا، فإن تقييد إمكانية العمل بسبب مكان الحصول على الشهادة لا يؤثر فقط في خريجين موجودين اليوم، بل يمكن أن يغيّر أيضًا قرارات طلاب لم يدخلوا الجامعة بعد.
عدالة يطعن في القانون
في 22 فبراير 2026، قدم مركز عدالة التماسًا إلى المحكمة العليا ضد القانون، بالاشتراك مع طلاب وجامعات فلسطينية وجهات أخرى، وطالب بإلغائه.
ويقول المركز إن القانون يمس حقوقًا دستورية، بينها المساواة وحرية العمل واختيار المهنة والحق في التعليم، ويرى أن الاعتماد على مكان الحصول على الشهادة كأساس لمنع التوظيف يفرض تمييزًا على مجموعة من الخريجين بدل تقييم مؤهلاتهم بصورة فردية.
ويشير عدالة كذلك إلى أن التأثير قد يكون كبيرًا في جهاز التعليم في القدس الشرقية، إذ يقول إن 58% من نحو 6,700 معلم حالي هناك يحملون شهادات من مؤسسات تعليم عالٍ فلسطينية، مستندًا إلى بيانات قدمتها وزارة التعليم أمام الكنيست في أواخر 2024. وهذه النسبة والآثار المستقبلية للقانون هي من المعطيات التي يطرحها المركز ضمن التماسه، وليست حكمًا قضائيًا بشأن دستورية القانون.
وبذلك، انتقل النقاش من سؤال أكاديمي حول جودة التعليم أو مكان الدراسة إلى سؤال عملي بالنسبة للطلاب: هل يمكن أن يصبح اختيار الجامعة اليوم عاملًا يحدد المهنة التي يستطيع الخريج ممارستها غدًا؟
التعليم والهوية.. من يدفع ومن يستفيد؟
ولا يقتصر الجدل حول التعليم على مكان الحصول على الشهادة، إذ دخلت مسألة تمويل التعليم أيضًا إلى النقاش السياسي.
في منشورات له خلال عام 2026، طرح نفتالي بينيت مبدأً يتعلق بربط الدعم الحكومي بالخدمة والعمل والتعليم، واستخدم عبارة "غير صهيوني، ليس على حسابي". وفي السياق نفسه، قال إن القواعد التي يقترحها ستنطبق على جميع المواطنين، بما في ذلك العرب، بحسب ما نشره في قناته.
وتظهر قراءة منشور بينيت أن حديثه كان موجهًا أساسًا إلى سياسات الدعم الحكومي المرتبطة بالمجتمع الحريدي، وليس تصريحًا خاصًا بالطلاب العرب أو بالجامعات الفلسطينية. لذلك من المهم عدم تقديم العبارة باعتبارها موقفًا من التعليم العربي تحديدًا.
لكن إدخال الهوية السياسية في النقاش حول أموال الدولة يضيف طبقة أخرى إلى الأسئلة المتعلقة بالتعليم: هل الدعم الحكومي للتعليم والخدمات المرتبطة به يُنظر إليه باعتباره حقًا عامًا، أم يمكن أن يرتبط أيضًا بمعايير تتعلق بالخدمة والعمل أو بالمواقف السياسية؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر حساسية عندما تتزامن مع تشريعات تؤثر في المسارات التعليمية والمهنية لفئات من الطلاب.
الشهادة وحدها لا تحل مشكلة سوق العمل
حتى بعيدًا عن القانون الجديد، فإن الحصول على شهادة جامعية لا يعني أن الطريق إلى سوق العمل أصبح متساويًا.
وتظهر بيانات حديثة أن هناك تقدمًا في التحصيل الأكاديمي لدى المجتمع العربي، لكن هذا التقدم لا ينعكس بالوتيرة نفسها في جميع قطاعات العمل.
ففي تحليل نشره بنك إسرائيل في ديسمبر 2025، ارتفعت حصة العرب بين خريجي تخصصات التكنولوجيا الفائقة من 4.6% إلى 9% خلال الفترة التي درسها التحليل، لكن نسبتهم بين العاملين الشباب في قطاع التكنولوجيا الفائقة بلغت نحو 3.7% في 2023، وهي نسبة لم ترتفع بما يتناسب مع الزيادة في عدد الخريجين. ويشير البنك إلى أن ذلك يدل على وجود عوائق في مرحلة الانتقال من التعليم إلى العمل، إلى جانب العوائق المرتبطة بالتعليم نفسه.
وتظهر الفجوات أيضًا على المستوى الجغرافي والقطاعي. ووفق تقرير مركز طاوب عن سوق العمل لعام 2025، بلغ معدل تشغيل الرجال العرب في بداية العام نحو 77%، مقابل نحو 87% بين الرجال اليهود غير الحريديم، بينما وصل معدل تشغيل النساء العربيات إلى 49% في النصف الأول من العام. كما ظل تمثيل العرب في قطاع التكنولوجيا الفائقة منخفضًا، بنحو 2% بين الرجال العرب ونحو 1% بين النساء العربيات، بحسب التقرير.
وهذا يعني أن المشكلة لا يمكن اختزالها في سؤال واحد من نوع: "هل يحصل الشباب العرب على تعليم جامعي؟"
السؤال الأوسع هو: ما الذي يحدث بعد الحصول على التعليم؟
من التخصص إلى مكان العمل
هناك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو نوع التخصص الذي يختاره الطلاب.
تشير أبحاث مركز طاوب إلى أن نسبة مهمة من الأكاديميين العرب تتجه إلى مجالات مثل التعليم والصحة، بينما يبقى حضورهم أقل في مجالات ذات مستويات دخل أعلى، مثل التكنولوجيا والهندسة وبعض المجالات الإدارية. كما تظهر لدى النساء العربيات بشكل خاص معدلات مرتفعة من الدراسة والعمل في مجال التعليم، وهو قطاع يشير البحث إلى أنه يعاني أصلًا من تشبع نسبي.
تطبيق إذاعة الشمس
حمّل تطبيق إذاعة الشمس
استمع للبث، تابع الأخبار، واحصل على إشعارات لحظية.
وهنا تظهر معادلة أكثر تعقيدًا: الطالب قد يحصل على شهادة، لكن التخصص نفسه قد يحدد حجم الفرص المتاحة أمامه، ومكان العمل المحتمل، ومستوى الأجر، ومدى قدرته على الانتقال إلى القطاعات الاقتصادية الأسرع نموًا.
وبالتالي، فإن الحديث عن مستقبل الشباب العربي لا يمكن أن يتوقف عند نسب الالتحاق بالجامعات، بل يجب أن يشمل أيضًا نوعية التخصصات، والانتقال إلى سوق العمل، والفرص الجغرافية، والاعتراف بالمؤهلات، والقدرة على الوصول إلى المهن الأعلى دخلًا.
ماذا تعني هذه التطورات للطلاب؟
بالنسبة إلى الطالب الذي يبدأ دراسته الجامعية اليوم، لم يعد السؤال فقط: "ماذا أريد أن أدرس؟"
بل أصبح من الضروري التفكير أيضًا في مكان الدراسة، وشروط الاعتراف بالمؤهل، ومتطلبات الترخيص إن وجدت، وحجم الطلب على التخصص، والقطاعات التي يمكن أن يعمل فيها الخريج بعد التخرج.
وفي بعض المجالات، قد يكون الفرق بين شهادة وأخرى مرتبطًا ليس بمحتوى الدراسة فقط، وإنما بالجهة التي أصدرتها والأنظمة التي تحكم الاعتراف بها.
وهذا يجعل قرار اختيار الجامعة أكثر ارتباطًا بالتخطيط المهني، ويضع مسؤولية أكبر على المؤسسات التعليمية والجهات الرسمية في توفير معلومات واضحة للطلاب حول فرص العمل الفعلية لكل تخصص.
مستقبل الشباب لا يُقاس بعدد الشهادات فقط
التعليم لا يزال أحد أهم الأدوات التي يمكن للشباب من خلالها تحسين ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، لكن العلاقة بين التعليم والعمل أصبحت أكثر تعقيدًا.
فالقضية لم تعد فقط كم شابًا يدخل الجامعة، ولا كم شهادة تُمنح كل عام، وإنما ماذا يحدث بعد التخرج: هل يجد الخريج وظيفة في مجاله؟ هل يستطيع الوصول إلى القطاعات ذات الأجور الأعلى؟ وهل تظل الشهادة صالحة للمسار المهني الذي اختاره عندما بدأ دراسته؟
قانون خريجي مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية يضع جانبًا من هذه الأسئلة أمام الواقع القانوني، بينما تكشف بيانات سوق العمل عن فجوة أوسع بين ارتفاع التحصيل الأكاديمي وبين التمثيل المتساوي في بعض القطاعات الاقتصادية.
وفي النهاية، يجد جيل جديد من الشباب نفسه أمام معادلة مختلفة: الشهادة مهمة، لكن الطريق إليها، ومكان الحصول عليها، والتخصص المختار، والقوانين التي تحكم العمل بعدها، كلها أصبحت جزءًا من قيمة هذه الشهادة.
ولهذا، فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس فقط: كيف يصل الشباب العربي إلى الجامعة؟
يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.
في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.
يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.
شكرًا لتعاونكم.