لماذا تتحرك مصر نحو تدخل عسكري محتمل في الصراع السعودي مع الحوثيين؟
تتجه مصر نحو بحث خيارات تقديم دعم عسكري للسعودية في مواجهة هجمات جماعة الحوثيين في اليمن، وسط تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب على إيران، ومخاوف متزايدة بشأن أمن البحر الأحمر والملاحة البحرية، إلى جانب حسابات اقتصادية وأمنية تدفع القاهرة إلى تعزيز دعمها لحلفائها الخليجيين.
·أرشفية - صفحة رئاسة جمهورية مصر العربية (مواقع التواصل الاجتماعي)
ومن المتوقع أن يصوّت البرلمان المصري على تفويض القوات المسلحة بتقديم المساعدة العسكرية للسعودية إذا طلبت الرياض ذلك، في خطوة قد تمهّد لانخراط مصري مباشر في التطورات العسكرية بالمنطقة، بعد أن حافظت القاهرة منذ اندلاع الحرب على إيران على موقف تجنّب المشاركة القتالية العلنية.
حماية السعودية ومواجهة التهديدات الإقليمية
يمثّل أمن السعودية أحد أبرز العوامل التي تدفع القاهرة إلى إعادة النظر في طبيعة دورها الإقليمي، خصوصًا مع تصاعد هجمات الحوثيين على منشآت النفط والبنية التحتية السعودية.
وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أكد، في خطاب ألقاه السبت، استعداد بلاده لاتخاذ إجراءات لحماية السعودية والدفاع عنها، مشددًا على أن مصر لن تنسى دعم دول الخليج لها في مراحل سابقة.
وتشير تقديرات محللين إلى أن تحرّك القاهرة لا يرتبط بالدفاع عن السعودية فحسب، بل يتصل أيضًا برغبتها في الحفاظ على دورها في الترتيبات الأمنية الإقليمية، ومنع توسع دائرة التدخلات العسكرية الخارجية في الصراع.
وفي هذا السياق، يرى محللون مقرّبون من السلطات المصرية أن أحد الاعتبارات المحتملة للتحرك المصري يتمثل في الحد من فرص تدخل إسرائيلي مباشر في الصراع، بدعم أميركي، لمساندة الرياض.
البحر الأحمر وقناة السويس في صلب الحسابات المصرية
لا تقتصر دوافع القاهرة على العلاقات السياسية مع السعودية، إذ يشكّل أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب مصلحة استراتيجية مشتركة بين البلدين، في ظل تأثير أي اضطراب في حركة الملاحة على التجارة الدولية وإمدادات الطاقة.
وتزداد أهمية هذه الممرات بالنسبة إلى السعودية مع تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، فيما تعتمد مصر على إيرادات قناة السويس التي تحقق لها مليارات الدولارات سنويًا.
وكان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد زار مصر الشهر الماضي، حيث بحث مع المسؤولين المصريين أهمية ضمان حرية الملاحة وأمنها في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
كما أظهرت هجمات سابقة، بينها هجوم بطائرات مسيّرة استهدف سفينتي غاز في مدينة دمياط المصرية في تموز/ يوليو، أن تداعيات الصراع الإقليمي قد تصل إلى الأراضي والمصالح المصرية، حتى في ظل عدم المشاركة المباشرة في العمليات العسكرية.
وقال الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إتش. إيه. هيلير، إن القاهرة تدرك صعوبة بقائها على هامش هذه التطورات إلى أجل غير محدد، في ظل تداخل الاعتبارات الأمنية والاقتصادية.
الدعم الخليجي والضغوط الاقتصادية
تشكّل العلاقات الاقتصادية مع دول الخليج عاملًا إضافيًا في حسابات القاهرة، إذ تعتمد شرائح واسعة من الأسر المصرية على تحويلات العاملين في دول الخليج، التي تعد مصدرًا مهمًا للعملات الأجنبية والدخل.
وتواجه مصر ضغوطًا اقتصادية متواصلة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الغذاء والوقود، بينما تمثل الاستثمارات الخليجية والمساعدات والودائع المالية أحد مصادر الدعم للاقتصاد المصري.
وكانت السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى قد قدمت عشرات المليارات من الدولارات لمصر في صورة مساعدات وودائع واستثمارات، خصوصًا بعد إطاحة الجيش بالرئيس الأسبق محمد مرسي عام 2013.
وفي هذا الإطار، أشار السيسي إلى الدعم الذي تلقته بلاده من دول الخليج، معتبرًا أن مصر لن تنسى وقوف حلفائها إلى جانبها.
وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن لدى السعودية وديعة بقيمة 5.3 مليارات دولار لدى البنك المركزي المصري، تستحق خلال الشهر الحالي، إضافة إلى فوائد تبلغ 267 مليون دولار.
وتعكس هذه المعطيات حجم المصالح المتبادلة بين القاهرة والرياض، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن الاعتبارات المالية وحدها تقف وراء بحث التدخل العسكري.
ما طبيعة المشاركة العسكرية المصرية المحتملة؟
تمتلك مصر واحدًا من أكبر الجيوش في العالم العربي، وتضم قواتها الجوية طائرات مقاتلة من طرازات أميركية وفرنسية وروسية، من بينها “إف-16” و”رافال” و”ميغ-29”، إلى جانب قدرات بحرية وبرية واسعة.
وسبق للقوات المصرية أن شاركت بقدرات جوية وبحرية ضمن التحالف الذي قادته السعودية في اليمن عام 2015، كما نفذت عمليات جوية ضد أهداف لتنظيم “داعش” في ليبيا.
تابعوا الشمس على تلغرامأخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشرانضم للقناة
لكن التدخل البري الواسع خارج الحدود لم يكن خيارًا مصريًا معتادًا في العقود الأخيرة، الأمر الذي يجعل طبيعة أي مشاركة جديدة موضع تساؤل.
ويرجّح محللون عسكريون أن يتركز الدعم المصري المحتمل على الدفاع الجوي والقدرات الجوية والبحرية، بدلًا من إرسال قوات برية إلى داخل اليمن.
وقال العسكري المصري المتقاعد سمير راغب، رئيس المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية، إن طبيعة التهديدات التي تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة تجعل الدفاع الجوي والقوة الجوية من الخيارات المطروحة، فيما يمكن استخدام القوات البحرية لحماية السفن والسواحل السعودية.
ويعني هذا السيناريو أن المشاركة المصرية، إذا تقررت، قد تستهدف تعزيز قدرة السعودية على اعتراض الهجمات وحماية الملاحة البحرية، من دون الانخراط في عمليات برية واسعة داخل الأراضي اليمنية.
هل يغيّر التدخل المصري موازين الصراع مع الحوثيين؟
على الرغم من القدرات العسكرية المصرية، لا يرى محللون أن انضمام قوة عربية كبيرة أخرى سيؤدي بالضرورة إلى إنهاء تهديد الحوثيين، الذين يعتمدون على الصواريخ والطائرات المسيّرة وتوزيع قواتهم والاستفادة من الطبيعة الجغرافية لليمن.
وقال أندرياس كريغ، المحاضر البارز في الدراسات الأمنية بجامعة “كينغز كوليدج لندن”، إن مشاركة القاهرة قد تساعد السعودية على تعزيز قدرتها الدفاعية، وتحسين السيطرة على البحر الأحمر، وتقاسم الأعباء العسكرية، ورفع الكلفة السياسية لاستمرار الهجمات.
وبذلك، يرتبط التحرك المصري المحتمل بمجموعة من الحسابات المتداخلة، تشمل حماية السعودية، وتأمين طرق الملاحة، والحفاظ على المصالح الاقتصادية المصرية، وتعزيز موقع القاهرة في الترتيبات الأمنية الإقليمية.
ومع ذلك، يبقى شكل المشاركة وحجمها مرتبطين بما ستقرره السلطات المصرية، وبطبيعة الطلب السعودي، والتطورات الميدانية والسياسية التي قد تحدد اتجاه الصراع خلال المرحلة المقبلة.
يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.
في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.
يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.