كشفت صحيفة واشنطن بوست الأميركية، اليوم الأحد، عن ملامح خطة تعمل عليها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تتعلق بمرحلة ما يُعرف بـ"اليوم التالي للحرب" على قطاع غزة، في إطار رؤية تُصاغ بالتنسيق مع إسرائيل، وتطرح تصوّرات مثيرة للجدل حول مستقبل القطاع وسكانه.
وبحسب التقرير، تحمل الخطة اسم GREAT Trust (اختصارًا لـ Gaza Reconstitution, Economic Acceleration and Transformation Trust)، وتُقدَّم باعتبارها مبادرة اقتصادية – أمنية تسعى لتحويل غزة من "وكيل إيراني مدمر إلى حليف إبراهيمي مزدهر.
محاور خطة ترامب
وتتمثل أبرز محاورها في: الأمن، الإعمار، وإعادة التوطين.
وتنص الخطة على وضع غزة تحت وصاية أميركية مباشرة لمدة لا تقل عن عشر سنوات، مع نزع سلاح كافة الفصائل الفلسطينية، وإقامة منظومة مراقبة دولية تهدف، وفق الوثيقة، إلى ضمان "صفر تهديدات" لإسرائيل.
وتشدد الخطة على أن أي تسوية مستقبلية يجب أن تمنع عودة تسليح الفصائل الفلسطينية.
ولمتابعة كل ما يخص "عرب 48" يُمكنك متابعة قناتنا الإخبارية على تلجرام
مشروع استثماري ضخم
على المستوى الاقتصادي، تتضمن الخطة استثمارات بقيمة 100 مليار دولار في البنية التحتية، تشمل إنشاء ميناء بحري، مطار دولي، شبكة طرق سريعة، محطات للطاقة وتحلية المياه، إضافة إلى منطقة صناعية على الحدود الشرقية للقطاع.
وتُسوَّق الخطة باعتبارها مشروعًا سيحقق عوائد مضاعفة خلال عقد واحد، مع تحويل غزة إلى مركز مالي وتجاري منافس لمدن كبرى مثل دبي وتل أبيب.
مشاريع عملاقة أحدهما يحمل اسم ترامب
كما تُطرح مشاريع عملاقة، بينها مصانع للسيارات الكهربائية، مراكز بيانات، منتجعات سياحية، وأبراج شاهقة، أحدها يحمل اسم ترامب.
حتى إن مقاطع دعائية نُشرت بتقنيات الذكاء الاصطناعي أظهرت غزة بعد إعادة الإعمار كمدينة عالمية بمنتجعات فاخرة وشواطئ فارهة.
والشق الأكثر إثارة للجدل في الخطة يركز على إعادة التوطين "الطوعي"، إذ يُعرض على كل فلسطيني يرغب بمغادرة القطاع مبلغ خمسة آلاف دولار نقدًا، إضافة إلى دعم إيجار لأربع سنوات ومخصصات غذائية لعام كامل.
كما يُقترح بناء مدن "ذكية" داخل غزة وخارجها، تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتوفير مساكن بديلة.
وتوضح الوثيقة أن مغادرة كل فلسطيني توفّر على الصندوق نحو 23 ألف دولار مقارنة بكلفة بقائه.
أما أصحاب الأراضي فسيُمنحون رموزًا رقمية (Tokens) قابلة للاستبدال بمساكن أو استثمارات في أماكن أخرى.
مشاركة دولية واسعة
بحسب واشنطن بوست، لم تُصغ الخطة في البيت الأبيض وحده، بل شارك في بلورتها شخصيات سياسية واقتصادية بارزة.
فقد حضر اجتماعات الإعداد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، المبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، وصهر ترامب جاريد كوشنر.
كما ساهم خبراء إسرائيليون من مؤسسة "غزة الإنسانية"، في حين تولت مجموعة "بوسطن الاستشارية" (BCG) إعداد النماذج الاقتصادية للمشروع.
ولفت التقرير إلى أن النقاشات امتدت لتشمل إمكانية توطين الفلسطينيين في دول مثل ليبيا، إثيوبيا، جنوب السودان، إندونيسيا وحتى صوماليلاند، التي عرضت استقبال لاجئين مقابل اعتراف أميركي بدولتها.
الموقف الإسرائيلي
بالنسبة لإسرائيل، يبقى الهدف الأساس هو نزع سلاح حركة حماس والسيطرة الأمنية على القطاع.
وشدد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على أن أي خطة يجب أن تضمن تفكيك البنية العسكرية للحركة، مؤكدًا رفضه لفكرة الدولة الفلسطينية أو عودة السلطة إلى غزة.
أما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش فذهب أبعد من ذلك، بدعوته إلى "ضم قطاع غزة بشكل دائم"، وإعادة الاستيطان فيه بعد تهجير الفلسطينيين.
انتقادات دولية وتحذيرات قانونية
الخطة وُوجهت بسيل من الانتقادات الدولية، وخبراء القانون الدولي حذروا من أن أي منع لعودة السكان أو حرمان متعمد من الغذاء والرعاية الصحية يُعد خرقًا للقانون الدولي ويمثل جريمة حرب محتملة.
كما اعتبرت منظمات حقوقية أن الحديث عن "تهجير طوعي" ليس سوى إعادة إنتاج لسياسات الترانسفير تحت غطاء اقتصادي.
في غزة، جاءت شهادات السكان لتكشف رفضًا واسعًا. قال أبو محمد من خان يونس: "هذا وطني، لن أتركه مهما قدّموا من أموال أو إغراءات".
بينما شدد آخرون على أن البقاء في القطاع هو شكل من أشكال المقاومة في وجه محاولات الاقتلاع.
رؤية ترامب: من عقارات إلى سياسات
وأوضحت الصحيفة أن المشروع يعكس رؤية ترامب الشخصية، إذ ينظر إلى غزة كما لو كانت مشروعًا عقاريًا.
فقد صرّح منذ حملته الانتخابية عام 2024 بأن "الولايات المتحدة ستتولى غزة"، وبعد توليه منصبه، قال إن القطاع يمثل "موقع هدم هائل، لكنه على البحر، أفضل طقس، كل شيء رائع"، قبل أن يصفه بأنه "ريفييرا الشرق الأوسط".
وعندما سُئل إذا كان الفلسطينيون سيعودون بعد إعادة الإعمار، أجاب: "لا، لن يعودوا، لأنهم سيحصلون على مساكن أفضل في أماكن أخرى".
تصفية للقضية الفلسطينية؟
ترى واشنطن بوست أن ما يميز خطة ترامب هو تركيزها على تحويل غزة إلى "فرصة استثمارية" بدلًا من التعامل معها كقضية سياسية مرتبطة بالدولة الفلسطينية أو مفاوضات السلام.
وبهذا، فإنها تمثل، وفق محللين، تصفية للقضية الفلسطينية عبر تحويلها من ملف سياسي – إنساني إلى مشروع اقتصادي – استثماري يخدم مصالح واشنطن وتل أبيب.
وخلص التقرير إلى أن خطة إدارة ترامب تقدم رؤية غير مسبوقة تقوم على وصاية أميركية طويلة الأمد، إعادة توطين ملايين الفلسطينيين مقابل تعويضات مالية، وتحويل غزة إلى "ريفيرا الشرق الأوسط"، لكن، رغم ضخامتها الدعائية والاستثمارية، تبقى الأسئلة الجوهرية بلا إجابة: من سيحكم غزة فعليًا؟ وما مصير شعبها الذي يصر على البقاء في أرضه؟.
وبينما تتدفق الفيديوهات الترويجية والمخططات الاستثمارية، تبقى الحقيقة على الأرض أكثر قسوة: غزة ليست مجرد موقع عقاري، بل موطن لملايين الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الحصار والحرب منذ عقود، ومحاولة تحويل مأساتهم إلى "فرصة استثمارية" قد تكون الخطيئة الأكبر في رؤية ترامب.
اقرأ أيضا