قال الدكتور نهاد علي، الخبير والباحث في علم الاجتماع والتحوّلات المجتمعية، إن عزوف الجماهير العربية عن المشاركة في التظاهرات لا يرتبط فقط بضعف الدعوات أو القيادات.
وأضاف في مداخلة هاتفية ضمن برنامج "أول خبر"، على إذاعة الشمس، أن هذا العزوف الجماهيري يعود إلى قناعة متراكمة لدى الجمهور بأن الأدوات الاحتجاجية التقليدية "لم تعد تُجدي نفعا حقيقيا" في مواجهة تفشي العنف والجريمة في المجتمع العربي.
تبنّي الخطاب الإعلامي العبري
وأوضح:
"المجتمع العربي، في كثير من القضايا، يتبنى دون تمحيص خطاب الإعلام العبري الذي يُحمّل القيادات العربية ولجنة المتابعة ورؤساء السلطات المحلية المسؤولية الكاملة، ونُعيد ترديده من دون تفكير عميق بدور هذه القيادات وحدود تأثيرها".
واعتبر أن الدعوة إلى إقصاء القيادات عن المشهد الاحتجاجي تمثل نوعا من إعفائها من المسؤولية، وهي دعوة غير واقعية ولن تقبل بها القيادات نفسها.
وأضاف أن كل القضايا في المجتمع العربي "مُسيّسة بطبيعتها"، سواء كانت ثقافية أو اجتماعية أو متعلقة بالعنف، بعكس المجتمع الإسرائيلي الذي نجح في بعض الاحتجاجات بالفصل بين القضايا والقيادات الحزبية، ما سمح بخروج جماهيري واسع ومستقل.
عزوف بـ قناعة شعبية
وأشار علي إلى أن السبب الأساسي لعزوف الجماهير عن الشارع هو شعورها بأن المظاهرات التي نُظمت في السنوات الأخيرة كانت هزيلة ولم تُحدث أي تغيير ملموس، لافتا إلى أن المواطن العادي لم يعد يرى في التظاهر هدفا بحد ذاته، بل مجرد متنفس عاطفي لا يترجم إلى نتائج على أرض الواقع.
وأكد أنه لا يعارض المظاهرات من حيث المبدأ، بل يراها خطوة إيجابية، لكنه شدد على ضرورة البحث عن بدائل أكثر تأثيرا، موضحا أن الإضرابات الجزئية، مثل إضراب السلطات المحلية، لم تُحدث الأثر المطلوب لأن الحياة استمرت بشكل شبه طبيعي.
إضراب شامل وممتد
وقال إن حجم الحدث الذي يعيشه المجتمع العربي، في ظل ما وصفه بـ "إبادة بطيئة"، لا يتناسب مع ردود الفعل الحالية، داعيا إلى تبنّي مفهوم "طول النفس" في النضال عبر حراك مستمر ومتراكم.
وأضاف:
"لابد من التفكير الجدي في إضراب شامل ومنظّم يمتد عدة أيام، ويؤدي إلى شلل فعلي في مرافق الحياة والاقتصاد".
وشدد على أن الأبحاث تشير إلى قدرة الأقلية الفلسطينية في الداخل على إحداث تأثير اقتصادي واسع إذا جرى التنظيم بشكل صحيح، مشسرًا إلى أن أي إضراب فعّال يجب أن يشمل شرائح واسعة من المجتمع، من أكاديميين وأطباء وسائقي حافلات وعمال وموظفين.
وأوضح أن غياب الأمان بات شعورا عاما يطال جميع أبناء المجتمع، ما يستدعي تحركا جماعيا واسعا، إضافة إلى ضرورة بناء شراكات مع أطراف يهودية تؤمن بالمواطنة المتساوية والحق في الأمن.
التوثيق أداة نضال مفقودة
وختم بالتأكيد على أهمية التوثيق المنهجي، ليس فقط لعدد الضحايا، بل أيضا لعدد الجرحى وحوادث إطلاق النار في القرى العربية، معتبرا أن الاكتفاء بعدّ القتلى "يُفرغ القضية من عمقها"، وداعيا مؤسسات المجتمع والقيادات إلى تبنّي هذا الدور بشكل منظم ودائم.