دولة "المسالخ البشرية": حين يصير الدم العربي وقوداً لانتخابات اليمين وسياسات "التطهير بالأمن"

shutterstock

shutterstock

لم يعد الصمت مجرد عجز، بل صار شريكاً في الجريمة، وفي مدننا التي تحولت إلى "مسالخ بشرية"، يرتفع صوت الرصاص ليعلن عن أبشع صور الفساد في الأرض


إن ما نشهده اليوم من استباحة للدم العربي تحت عين الدولة وبمباركة صمتها، ليس إلا تجسيداً معاصراً لتلك الفئة التي حذر منها القرآن الكريم في قوله تعالى:

  ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.


 إن هؤلاء الذين يزرعون الموت في أزقتنا، والذين يمسكون بزمام "هندسة اجتماعية" خبيثة لتفكيك نسيجنا، لا يحاربون أشخاصاً فحسب، بل يحاربون الفطرة، والأمن، والحق في الحياة، فنحن لا نعيش في دولة قانون، بل في "مسلخ بشري" شيدت جدرانه بصمت التواطؤ العفن، وسُقيت أرضه بدم العربي الذي صار أرخص بضاعة في سوق النخاسة الانتخابية لليمين الفاشي.

إن ما يحدث في مدننا وقرانا ليس "انفلاتاً أمنياً" كما تروج الأبواق الرسمية لتبرئة ساحتها، بل هو إرهاب منظم يُدار برعاية سياسات عليا، وجدت في جثثنا وقوداً لمحركاتها السياسية، وفي تمزيق نسيجنا الاجتماعي أداةً لتطهير عرقي صامت يُنفذ بالرصاص المأجور بدلاً من الطائرات. كيف لدولة تتبجح ليل نهار بامتلاك "العين التي لا تنام"، وتخترق أعتى الحصون وراء البحار، وتغتال خصومها في غرف نومهم المحصنة، أن تقف عاجزة "بقدرة قادر" أمام حفنة من الحثالة والمجرمين الذين يقتلون الأبرياء في وضح النهار وأمام كاميرات المراقبة؟


shutterstock



 هذا العجز ليس فشلاً، بل هو خيار سياسي متعمد وإخصاء أمني مقصود. إن ترك السلاح يفتك بصدورنا هو "هندسة اجتماعية" خبيثة تهدف لتحويل الإنسان العربي من كائن سياسي يطالب بالأرض والكرامة، إلى مجرد فريسة مذعورة يرتجف خلف بابه، وأقصى طموحه هو العودة إلى بيته دون أن يثقب الرصاص جسده أو يُيتم أطفاله.


إننا لا نزال في عتبات الشهر الثاني من العام الجديد، ومع ذلك، فقد أُحصيت التاسعة وثلاثون ضحية حتى اللحظة مقارنة لنفس الفترة العام الماضي بثلاثين قتيل، وهي أرقام لا تعكس مجرد إحصاء جاف، بل هي ثمانية وثلاثون زلزالاً هدم بيوتاً فوق رؤوس أصحابها، فخلف كل رقم جنازة تشق القلوب، وأمٌّ تلطم وجهها قهراً، وأطفال سُرقوا من طفولتهم ليواجهوا غول الضياع. إن هذا التفتت ليس "عرضاً جانبياً" للجريمة، بل هو الهدف الجوهري لمخطط التفكيك الذي يُدار ببرود صقيعي في غرف المخابرات.



فخ الإعاقات


 والأنكى من الموت السريع هو "الموت المؤجل" الذي يعيشه الآلاف ممن نجوا من الرصاص ليسقطوا في فخ الإعاقات المستديمة، ليتحولوا إلى جيوش من الأحياء الأموات الذين حُكم عليهم بالعجز الكلي أو الجزئي.

 وكأن الدولة تراهن على أن استنزاف الإنسان العربي، جسدياً ونفسياً، هو ثمنٌ زهيد مقابل بقاء مجتمعنا مشلولاً، غارقاً في بركة دمائه، وعاجزاً عن النهوض للمطالبة بحقوقه التاريخية.

 إن العصابات لم تعد تكتفي بالهوامش، بل استولت على مركز الحياة، تفرض "الخاوة" بوقاحة، وتهدد البلديات، وتحوّل المهندسين والموظفين إلى أهداف مكشوفة، وما صرخة المهندس أميّة من دير حنا إلا وثيقة إدانة ضد "دولة" سحبت يدها عمداً لترك الناس عراة أمام وحوش مسلحة بلا رادع، في عملية "تأميم" قذرة للجريمة تضع ميزانياتنا ومستقبلنا تحت رحمة البنادق المأجورة وصمت الأجهزة الأمنية التي تدعي القدرة الكلية بينما هي في الحقيقة ترعى الفوضى.


الأسلحة كهدايا احتفالية 


ويكتمل هذا المشهد السادي حين ننظر إلى السياسة التي يقودها وزير "الأمن القومي" إيتمار بن غفير بعقلية الميليشيا الانتقامية، حيث تُوزَّع الأسلحة على المستوطنين كأنها هدايا احتفالية، بينما يُفرض شلل متعمَّد أمام نزيف الدم العربي، في تمييز عنصري فج يثبت أن ميزان الدم لديهم ليس مختلاً فحسب، بل هو ميزان لا يعترف بإنسانيتنا أصلاً. فحياتنا ليست أولوية، بل هي مادة دسمة لزيادة شعبية اليمين الذي يقتات على جثثنا، وتسليح المستوطنين هو بناء لقوة موازية جاهزة للاشتعال، بينما يُترك المواطن العربي مكشوف الظهر، محاصراً بين سندان الإجرام ومطرقة نظام يرى في موته استقراراً سياسياً.


الوجه الآخر للعمالة!


إن هذه المنظمات الإجرامية التي تروع الآمنين وتغتال المستقبل ليست إلا وجهاً آخر للعمالة الرخيصة. هؤلاء المجرمون هم في الحقيقة "منظمات إجرامية تعمل كخونة"، لا يختلفون في جوهرهم عن عملاء الشاباك الذين باعوا ضمائرهم، إنهم الخنجر المسموم الذي يغرزه النظام في خاصرة الأمة، وسلوكهم يتقاطع في خيانته مع تاريخ "خونات الضفة" و"خونات جنوب لبنان" الذين لفظهم التاريخ وبصقت في وجوههم الكرامة، وهم اليوم يؤدون الدور ذاته: تدمير المجتمع من الداخل لصالح السيد الذي يرمي لهم الفتات.


على الدولة التي ترفض توفير الأمن الشخصي للمواطن العربي أن تعلم أن هذا الرفض هو خيانة عظمى تستوجب محاكمة تاريخية كبرى، ولتعلم هذه المنظمات الإجرامية، هؤلاء "خونة الموساد" الجدد في شوارعنا، أن زمن التغاضي قد انتهى، ولتهتز الأرض تحت أقدام كل من يرفض ضمان الأمن العربي.


وليدرك هؤلاء المجرمون الأذلاء أن الدولة، مهما تلاعبت بالسياسات، ستتخلى عنهم في النهاية كما يتخلى السيد عن حذائه المتسخ بعد قضاء حاجته، ليعلموا أنهم منبوذون، ليس من القانون المتقاعس فحسب، بل من الوسط العربي ومن العائلات والقبائل والبيوت أجمعين، فلا حصانة لخائن ولا مأوى لمجرم. آن الأوان لتتطهر الأمة من دنس هؤلاء الأرجاس، ولتكن نهايتهم مزلزلة تقتلع جذورهم وتجعلهم عبرة لمن اعتبر، لتعيد الاعتبار لسيادة الأوطان وكرامة الشعوب التي دُستموها ببنادقكم الغادرة.


لتظل قصص خيانتكم وصمة عار تلاحقكم أنتم وأهليكم أينما حللتم، ولتنبذوا إلى أبد الآبدين من كل مجلس وكل محفل، وسيكون مصيركم ومصير من يشد على أيديكم الآثمة كمثل قابيل الذي قتل أخاه فظل ملعوناً في الأرض والسماء، مطروداً من رحمة الخلق، وعبرةً لمن يبيع أهله ودمه من أجل حفنة من مال حرام أو وهمِ سلطة زائلة تحت أقدام المحتل. لا عهد لكم، ولا ذمة، ولا كرامة، ولن يكون لكم مكان بين الأحرار الذين يبنون وطناً بالدم والعرق، بينما تهدمونه أنتم بالخيانة والغدر. إنها صرخة الوجود التي لن تتوقف، وزلزال الحق الذي سيجرفكم من شوارعنا، فإما أمن كامل وكرامة مستردة، وإما فضح لهذا النظام المسلخي أمام العالم أجمع.


إن هذا الفضح قد تجلى بأبشع صوره يوم أمس، حين انطلقت صرخة الغضب في مسيرة حاشدة وقافلة مركبات مهيبة من كافة أنحاء البلاد نحو القدس، وصولاً إلى مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. لقد حمل قادة المجتمع العربي، من رئيس لجنة المتابعة ورئيس اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية، أرواح الناس في رسالة أرادوا إيصالها مباشرة لمن بيده القرار، لكن رد "دولة القانون" المزعومة كان بالاعتراض والمنع القسري من قبل الحرس والشرطة، تنفيذاً لأوامر مباشرة من مكتب نتنياهو.

بصقة في وجه الضحايا


إن هذا المنع المتعمد والمشين ليس مجرد إجراء أمني، بل هو بصقة في وجه كل ضحية سقطت، وإعلان صريح بالتقاعس والتجاهل المطلق لدماء العرب التي تُسفك. إن امتناع رئيس الوزراء عن استقبال وفد يمثل شعباً ينزف، هو برهان قاطع على أن الجريمة المنظمة لم تعد "آفة" بل أصبحت "أداة حكم"، وأن الأمن والأمان في الوسط العربي سقطا من أجندة دولة يقف رأس هرمها متفرجاً، بل ومحرضاً بالصمت، على اندثارنا الاجتماعي. ليعلم القاصي والداني أن كرامتنا تبدأ من تطهير صفوفنا من هؤلاء الخونة، ومن مواجهة نظام يغلق أبوابه أمام العدالة ليفتحها أمام الرصاص، وليعيش المجرمون وسادتهم ما تبقى من أعمارهم في مزابل الذل، تلاحقهم لعنة الضحايا، فلا نامت أعين الجبناء ولا سلمت يد خائن يغدر بأهله، أو رئيس حكومة يرى في موتنا استقراراً لكرسيه.


يتم الاستخدام المواد وفقًا للمادة 27 أ من قانون حقوق التأليف والنشر 2007، وإن كنت تعتقد أنه تم انتهاك حقك، بصفتك مالكًا لهذه الحقوق في المواد التي تظهر على الموقع، فيمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي: info@ashams.com والطلب بالتوقف عن استخدام المواد، مع ذكر اسمك الكامل ورقم هاتفك وإرفاق تصوير للشاشة ورابط للصفحة ذات الصلة على موقع الشمس. وشكرًا!

phone Icon

احصل على تطبيق اذاعة الشمس وكن على
إطلاع دائم بالأخبار أولاً بأول

Download on the App Store Get it on Google Play