أُجبرت عائلة المرحوم عامر تيتي، من قرية البعنة في الجليل، على هدم منزلها ذاتيًا ليلة أمس، وذلك تفاديًا لدفع غرامة مالية باهظة قد تصل إلى نصف مليون شيكل في حال أقدمت السلطات الإسرائيلية على تنفيذ عملية الهدم بنفسها.
تفاصيل الهدم
وبحسب ما أفادت مصادر محلية، فإن أبناء المرحوم تيتي اضطروا إلى هدم المنزل الذي سكنوه على مدار خمسة عشر عامًا، بعد أن لاحقتهم السلطات وما تُسمى "سلطة أراضي إسرائيل"، وصولًا إلى قرار قضائي يقضي بإخلاء المنزل وهدمه بدعوى أنه مقام على أرض تابعة للدولة، ورغم تقديم العائلة عدة استئنافات ومحاولات للتوصل إلى تسوية قانونية، فقد رُفضت جميعها بشكل نهائي.
هدم ذاتي لتفادي الغرامات
وفي يوم السبت، أُجبر الشاب رامي محمد تيتي، أحد أفراد العائلة، على هدم منزله بنفسه، تجنبًا للغرامات المالية الضخمة التي قد تُفرض عليه في حال نفذت السلطات عملية الهدم، وهذا المشهد تكرر مع باقي أفراد الأسرة الذين وجدوا أنفسهم أمام خيار صعب بين دفع مبالغ طائلة أو هدم بيتهم بأيديهم.
آثار اجتماعية وإنسانية
الهدم تسبب في تشريد خمسة عشر فردًا من أبناء العائلة، بينهم أطفال ونساء، وسط ظروف مناخية قاسية تزامنت مع هطول الأمطار والبرد الشديد، والمشهد أثار حالة من الحزن والغضب في القرية، حيث عبّر الأهالي عن تضامنهم مع العائلة التي فقدت مأواها بعد سنوات طويلة من الاستقرار فيه.
صدمة دون إنذار مسبق
من جانبها قالت نجاة بدران، قريبة أصحاب المنزل، إن عائلتها تفاجأت بقرار هدم منزل شقيقتها دون سابق إنذار، رغم أن البيت مقام منذ نحو خمسة عشر عاما على أرض خاصة، وليس على أرض دولة أو ضمن مخطط هيكلي مخالف، مؤكدة أن العائلة لم تكن على علم مسبق بإجراءات قانونية تمهد لعملية الهدم.
وأضافت في مداخلة ضمن برنامج "أول خبر" على إذاعة الشمس، أن زوج شقيقتها قُتل قبل نحو ثلاث سنوات، وأن المنزل شُيّد قبل مقتله بسنوات طويلة، وكان مأهولا بالسكان بشكل طبيعي، مضيفة أن شقيقتها كانت تعيش فيه مع أبنائها الثمانية، أكبرهم يبلغ من العمر عشرين عاما، وبينهم أطفال صغار.
وأشارت إلى أن العائلة حصلت في وقت سابق على قرار من المحكمة بتجميد الهدم، إلا أن القوات الإسرائيلية عادت وفرضت أمرا جديدا، ومنحت العائلة مهلة 24 ساعة فقط لهدم المنزل ذاتيا، مهددة بفرض غرامة مالية تصل إلى نصف مليون شيكل في حال تنفيذ الهدم بالقوة.
إخلاء قسري وخسارة معظم الممتلكات
وقالت بدران: "لم يُمنح لنا أي مجال للاستئناف أو التوجه إلى المحكمة العليا، وكان التهديد واضحا إما الهدم بأيدينا أو دفع غرامة باهظة"، لافتة إلى أن عملية الإخلاء جرت بشكل قسري وسريع، ما أدى إلى بقاء معظم الأثاث والمقتنيات داخل المنزل لحظة هدمه.
وبيّنت أن مساحة المنزل كانت تتراوح بين 100 و120 مترا مربعا، وأن نحو 99 في المئة من محتوياته دُمرت تحت الأنقاض، بسبب ضيق الوقت وعدم القدرة على إخراج الأغراض.
محاولات تسوية قوبلت بالرفض
وتساءلت بدران عن مصير العائلة بعد الهدم، قائلة: "نحن نتحدث عن أم وثمانية أبناء لا يملكون اليوم أي مأوى، ولا نعرف أين سنعيش"، مؤكدة أن العائلة حاولت مرارا تسوية وضع المنزل أو استبدال الأرض أو شراء أرض بديلة، إلا أن جميع المحاولات قوبلت بالرفض.
وأضافت أن المنطقة التي يقع فيها المنزل مأهولة بالسكان، وبجوار بيوت قائمة منذ سنوات طويلة، ولا يشكل المنزل أي تعد على شارع أو مؤسسة عامة، مشددة على أن ما جرى ترك العائلة بلا مأوى وبلا أي حلول بديلة.
الموقف القانوني
القضية تعكس سياسة مشددة تتبعها السلطات في ما يتعلق بالبناء على الأراضي المصنفة "أراضي دولة"، إذ تؤكد الجهات الرسمية أن هذه الإجراءات تأتي ضمن تطبيق القانون، بينما يرى الأهالي أنها قرارات قاسية لا تراعي الظروف الإنسانية والاجتماعية للعائلات المتضررة.
طالع أيضًا: هدم ذاتي تحت التهديد: مواطن من مصمص يهدم منزله بعد 25 عامًا تفاديًا لغرامات باهظة
وفي بيان صدر عن لجنة محلية في البعنة، جاء فيه: "إن إجبار العائلات على هدم منازلها بأيديها يُعد مأساة إنسانية، ويكشف عن حجم المعاناة التي يعيشها المواطنون في ظل سياسات الهدم والإخلاء، ونحن نطالب بوقف هذه الإجراءات وإيجاد حلول عادلة تحفظ كرامة الإنسان وحقه في السكن."
وبهذا، تبقى قضية عائلة تيتي مثالًا صارخًا على التحديات التي تواجهها العديد من الأسر في المنطقة، بين مطرقة القرارات القضائية وسندان الظروف المعيشية الصعبة.
ولمتابعة كل ما يخص "عرب 48" يُمكنك متابعة قناتنا الإخبارية على تلجرام