يتواصل التصعيد العسكري الإسرائيلي في قطاع غزة بوتيرة متسارعة، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، في مشهد يعكس اتساع رقعة التوتر الإقليمي بالتزامن مع القصف الأميركي الإسرائيلي على إيران، ما يضع القطاع مجددًا في قلب معادلة عسكرية وسياسية شديدة التعقيد.
فخلال الأيام الأخيرة، شهدت مناطق متفرقة من قطاع غزة غارات جوية مكثفة وإطلاق نار متواصل من الآليات العسكرية الإسرائيلية، أسفرت عن سقوط ضحايا وجرحى بين المدنيين، وسط تحذيرات من انهيار فعلي لاتفاق التهدئة الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2025.
خروقات متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار
وأفادت مصادر طبية فلسطينية بارتقاء شاب شمال القطاع، إلى جانب إصابة سيدة وطفل جراء القصف الإسرائيلي الذي استهدف مناطق سكنية خلال نهاية الأسبوع، في استمرار واضح لسلسلة الخروقات التي تشهدها الهدنة منذ أشهر.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الهجمات لم تقتصر على الأهداف العسكرية، بل طالت خيام النازحين والمرافق الخدمية ومناطق الإيواء المؤقتة، إضافة إلى عمليات تدمير ممنهجة لمبانٍ سكنية تقع خلف ما يُعرف بالخط الأصفر، الأمر الذي فاقم الأوضاع الإنسانية وأعاق جهود الإغاثة وإعادة الإعمار.
وشنت المدفعية الإسرائيلية صباح الأحد قصفًا مكثفًا على منطقتي الشاكوش ومواصي رفح جنوب القطاع، فيما أطلقت الآليات العسكرية نيرانها شرق مدينة خان يونس، بالتزامن مع تحليق كثيف لطائرات الاستطلاع التي لم تغادر أجواء غزة طوال الساعات الماضية، في مؤشر على استمرار العمليات العسكرية دون توقف.
طالع أيضا: اغتيال خامنئي..نهاية أربعة عقود من الحكم وبداية مرحلة غامضة..من هو المرشد الإيراني؟
إغلاق المعابر وتشديد الحصار
وفي تطور مرتبط مباشرة بالتصعيد الإقليمي، أعلنت إسرائيل إغلاق جميع المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، بما في ذلك معبر رفح، لليوم الثاني على التوالي، ضمن إجراءات أمنية اتخذتها عقب بدء العملية العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة ضد إيران.
وشملت الإغلاقات أيضًا معابر الضفة الغربية، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع، خاصة في ظل الاعتماد شبه الكامل للسكان على المساعدات الإنسانية والإمدادات الطبية والغذائية القادمة عبر المعابر.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس مخاوف إسرائيلية من اتساع دائرة المواجهة الإقليمية، واحتمالات تصاعد التوتر على أكثر من جبهة في وقت واحد.
حصيلة ثقيلة رغم التهدئة
وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة وصول ضحية وسبع إصابات إلى مستشفيات القطاع خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية نتيجة القصف الإسرائيلي المتواصل، مؤكدة أن عددًا من الضحايا ما زالوا تحت الأنقاض أو في مناطق يصعب الوصول إليها بسبب استمرار إطلاق النار.
ووفق البيانات الرسمية، ارتفع عدد الضحايا منذ إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر الماضي إلى 629 ضحية، إضافة إلى 1,693 إصابة و735 حالة انتشال من تحت الركام.
أما الحصيلة الإجمالية منذ بدء الحرب في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، فقد بلغت 72,096 ضحية و171,791 إصابة حتى الأول من آذار/مارس 2026، في واحدة من أكثر الحروب دموية التي شهدها القطاع.
تداعيات اغتيال خامنئي على المشهد الفلسطيني
بالتوازي مع التطورات الميدانية، ألقت تداعيات اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بظلالها على الساحة الفلسطينية، حيث سارعت فصائل فلسطينية إلى نعيه وتحميل الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية التصعيد الإقليمي.
وأشادت حركة حماس بما وصفته بدور خامنئي في دعم الشعب الفلسطيني، معتبرة أن اغتياله يمثل تصعيدًا خطيرًا ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن المنطقة.
الفصائل الفلسطينية تنعي المرشد
كما نعت حركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعدد من الفصائل الأخرى القادة الإيرانيين الذين قُتلوا في الهجوم، مؤكدة أن ما جرى لن يضعف ما تصفه بمحور المقاومة.
من جهتها، أكدت كتائب القسام أن خامنئي شكّل داعمًا رئيسيًا لتطوير قدرات الفصائل الفلسطينية، مشددة على أن اغتيال القيادات لن يغير مسار المواجهة، بل قد يدفع نحو مزيد من التصعيد.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو قطاع غزة عالقًا بين استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخليًا واتساع المواجهة الإقليمية خارجيًا، حيث سُمع دوي انفجارات جديدة في مناطق جنوب القطاع، تزامنًا مع تحليق دائم لطائرات الاستطلاع الإسرائيلية.
تحضيرات من انهيار كامل لاتفاق التهدئة في غزة
وحذر مراقبون من أن تزامن الحرب على إيران مع التصعيد في غزة قد يؤدي إلى انهيار كامل لاتفاق التهدئة، وفتح مرحلة جديدة من المواجهة متعددة الجبهات، ما يهدد بتفاقم الكارثة الإنسانية في القطاع المحاصر.
وبين استمرار القصف وإغلاق المعابر وتزايد أعداد الضحايا، يبقى المدنيون في غزة الحلقة الأضعف في صراع إقليمي يتجه نحو مزيد من الاشتعال، وسط غياب أي مؤشرات قريبة على تهدئة حقيقية أو مسار سياسي قادر على احتواء التصعيد المتسارع.
ولمتابعة كل ما يخص "عرب 48" يُمكنك متابعة قناتنا الإخبارية على تلجرام