كلنا يعرف تلك العبارة، اللغة تبني الواقع، ولكن حين نبدأ من لغة ونغيرها الى لغة اخرى او نبدأ من خطاب ونتحول الى خطاب اخر، هل يتغير الواقع بناء على تغيرنا؟
تبدأ الحروب عادةً بعناوين واضحة، اما استجابة لخطر من الممكن ان يهدد الدولة، او فعل ضروري لحماية امنها واستقرارها. لكن ما ان تبدأ الخطوات على ارض الواقع، حتى تتجاوز هذه العناوين الاولية، وتفتح مسارات جديدة من الخطر لم تكن في الحسبان.
الهدف النووي: عنوان قابل للتسويق
بدأت الحرب على ايران لمحاولة منعها من امتلاك سلاح نووي، ولكن الاهداف اعادت تشكيل نفسها بناء على النتائج التي انبثقت عنها. عنوان قابل للتسويق بشكل لا يمكن مسائلته، فهو بطبيعة الحال فعل وقائي واستجابة لخطر مستقبلي، بدت الحرب محددة الاهداف قابلة للضبط والاحتواء ومحصورة ضمن نطاق يمكن التحكم به. لكن ليست الرياح دائما تجري بما تشتهي السفن.
بعد انتقال المواجهة الى ارض الواقع، فرض الواقع نفسه، وظهرت موازين قوة اخرى. لم تعد القضية متعلقة بما تمتلكه ايران وما يمكن فعله لمنعها، بل بما يمكن ان تنتجه هذه الحرب من تداعيات ربما تكون اخطر من المخاطر التي حركت الحرب من بدايتها.
اغلاق و تهديد الملاحة في مضيق هرمز، استهداف منشآت الطاقة، اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع كلفة النقل والتأمين. فجأة، لم تعد الحرب تدور حول برنامج نووي، بل حول شبكة معقدة من التدفقات التي يقوم عليها الاقتصاد العالم.

shuttestock
"مجتمع المخاطر": حين نصنع أخطارنا بأيدينا
ولانني لست بصدد تحليل سياسي محض، وانما اكتب لاربط البعد السياسي بالبعد الاجتماعي والأنثروبولوجي اللذان لا ينفصلان بطبيعة الحال عن السياسي. فنحن أمام تحول بنيوي يمكننا تفسيره من خلال المصطلح "مجتمع المخاطر" الذي عبر عنه عالم الاجتماع الالماني اولريش بيك، فالاخطار التي نعيشها وتهددنا، ليست نتيجة كارثة طبيعية او نيزك قادم من الفضاء، بل هي في حقيقتها صنيع ايادينا، وهي ناتجة عن الانظمة الحديثة التي انتجتها واصبحت تبحث بعدها عن حلول والتي بدورها تنتج مخاطر اخرى، وهكذا دواليك. فالحرب التي ادعى ترامب انها نهاية الخطر النووي الايراني، اسفرت عن مخاطر جديدة، اكثر اتساعا وتعقيدا متجاوزة التهديد الاصلي.
من الحسم الى ادارة النتائج
وفي هذا السياق لا ارى مصطلحا اصلح من "خلوه ينزل عن الشجرة" يليق بترامب أو نتانياهو وحاشيتهما، فاللغة الاولى للحرب انتجت مخاطر اكبر من ان يتم احتوائها، وبدل ان يستمر الاثنان بالحديث عن البرنامج النووي اصبح الحديث عن فتح المضيق، تجنب استهداف البنية التحتية للطاقة، والحفاظ على استقرار الاسواق التي ترتبك بتصريح واحد كما رأينا مؤخرا. وفي المحصلة تحولت الحرب من عملية حل مشكلة الى عملية ادارة النتائج، النتائج التي لم تكن في الحسبان، ولكنها اصبحت تهدد اقتصادا عالميا بأكمله.
من هنا، يتكشف بعد تاريخي وسياسي واجتماعي غاية في الاهمية، هذا النظام العالمي المعاصر، وبالرغم من قدرته العالية على ادارة الضغوطات والتوترات، الا انه شديد الحساسية تجاه اي تهديد يمس البنى التي ترتبط بالحياة اليومية. النفط، النقل، الطاقة وغيرها من المقدرات التي اصبحت مقومات اساسية لاستمرار الجياة اليومية في نمط الحياة الحداثي هذا. عند المساس بهذه البنى، تتغير كل القواعد وتعاد الحسابات من جديد ويتحول المنطق من الحسم الى الاحتواء.
وفي مواجهة كهذه التي نشهدها، اصبحت الحرب اختبارا لقدرة النظام على الاستمرار، هذه المفارقة التي تحدث عنها اولريش بيك، القوة ليست تحقيق الانتصار بالحسم، بل بالقدرة على التعامل مع المخاطر التي ينتجها هذا الفعل نفسه وتداركه. فالدولة التي اطلقت بإرادتها حربا باسم الامن، قد تجد نفسها أمام ضرورة حماية الاقتصاد ومنع الانهيار.
القوة لم تعد في السلاح بل في تعطيل الحياة
وفي الختام، لم تعد الحرب في سياق معولم ومترابط، محصورة في هدفها الاول، بل امتدت بسرعة الى شبكات اوسع محولة التصعيد الى مسألة تتجاوز اطراف النزاع الاصليين. تكشف لنا هذه الحرب اكثر حول طبيعة العالم الذي نعيش فيه. عالم ينتج اخطاره بنفسه ويضطر الى البحث عن مسالك لتداركها، والاهم ان المسألة لا تتعلق بمن يملك السلاح الافتك بقدر ما تتعلق بمن يقدر على ايقاف تدفق الحياة اليومية وضعضعة الاستقرار العالمي