ثلاثة خيوط تُعيد رسم الاقتصاد العالمي: هرمز، والهيليوم، والصين التي تنمو رغم كل شيء

مضيق هرمز - Shutterstock

مضيق هرمز - Shutterstock

في يوليو 2026، يبدو الاقتصاد العالمي وكأنه يعيش في حالة نادرة من التشابك: نفط يتقلب على إيقاع السلاح، وغاز خامل يُستخدم ورقة في حرب تكنولوجية تتصاعد يومًا بعد يوم، وقوة عظمى تكسب في الحالتين. ثلاثة خيوط اقتصادية تتشابك هذا الشهر، وكلها تشير إلى عالم تتفكك فيه قواعد التجارة القديمة وتُرسم خرائط جديدة للنفوذ.


أولًا: هرمز يعود، والانتخابات النصفية الأمريكية في الأفق


بعد أسابيع قليلة فقط من مذكرة التفاهم الإيرانية - الأمريكية التي فتحت مضيق هرمز وأعادت أسعار النفط إلى ما دون السبعين دولارًا، عاد التصعيد بقوة. إيران أطلقت النار على ناقلة شحن قبالة المضيق، فردّت الولايات المتحدة بعشرات الغارات على مواقع إيرانية، وانخفض عبور السفن من ثماني عشرة إلى ست سفن يوميًا. النتيجة الفورية: أسعار خام برنت تقفز مجددًا إلى نحو ثمانين دولارًا، وأسعار الديزل وقود الطائرات ترتفع في الأسواق الفورية.


لكن ما يجعل هذا التوقيت بالغ الحساسية ليس النفط وحده، بل التقويم السياسي الأمريكي. الولايات المتحدة على بُعد ثلاثة أشهر من انتخابات نصفية تُحدد من يسيطر على الكونغرس، وارتفاع أسعار البنزين في المحطات الأمريكية هو أكثر ما يقلق الناخب العادي، ويُترجَم مباشرة إلى أصوات في صناديق الاقتراع. هذا يعني أن هرمز لا تحكم أسواق النفط العالمية فحسب، بل قد تحكم أيضًا نتائج انتخابات الكونغرس النصفية القريبة.


وتُدرك إدارة ترامب هذه المعادلة جيدًا. فمن جهة، الضغط العسكري على إيران يخدم الخطاب السياسي الداخلي بوصفه موقفًا حازمًا. ومن جهة أخرى، استمرار التصعيد يرفع الأسعار على الأمريكيين في أسوأ توقيت انتخابي ممكن. هذا التناقض هو ما يجعل إدارة أزمة هرمز أكثر تعقيدًا مما يبدو على السطح.


وللمقارنة: البنك الدولي وصف أزمة هرمز في نسختها الأولى مطلع العام بأنها "أكبر صدمة في تاريخ سوق النفط العالمي"، مع انخفاض إنتاج أوبك+ بأكثر من 30% وتراجع الطلب العالمي بمليون وثمانمائة ألف برميل يوميًا. العودة إلى هذا المشهد ستكون باهظة الثمن على الجميع.


ثانيًا: سلاح الهيليوم في الحرب التكنولوجية


في العاشر من يوليو، أعلنت بكين حظرًا فوريًا وغير محدّد المدة على تصدير الهيليوم. قرار من جملتين، بلا تفسير ولا مدة ولا استثناءات. لكن تداعياته كانت فورية وعميقة.

الهيليوم ليس غازًا لبالونات أعياد الميلاد. إنه عنصر لا غنى عنه في تبريد مصانع الرقائق الإلكترونية، وأجهزة الرنين المغناطيسي، وأجهزة الكمبيوتر الكمومي، وخطوط إنتاج الذكاء الاصطناعي. الصين لا تنتج سوى 1.6% من الهيليوم العالمي، لكنها تستهلك كميات ضخمة منه، وما كانت تُعيد تصديره بات نادرًا في سوق يعاني أصلًا من شُح حاد بعد الضربات الإيرانية على منشآت قطر في راس لفان. أسعار الهيليوم في أسواق شمال شرق آسيا ضاعفت نفسها مقارنة بنهاية 2025، وقفزت إلى ما بين 150 و205 دولارات لكل ألف قدم مكعب.



لكن الصورة الأكبر هي النمط الاستراتيجي الصيني. هذه ليست المرة الأولى: الصين فرضت قيودًا على الغاليوم والجرمانيوم عام 2023، والجرافيت في العام ذاته، ومعالجة الأتربة النادرة عام 2024، والآن الهيليوم. تأتي كل خطوة في توقيت يرتبط بتصعيد أمريكي ضد الصين، سواء عبر الرسوم الجمركية أو قيود التكنولوجيا أو العقوبات. بكين لا تردّ بالمثل على الجبهة ذاتها، بل تختار ميادين تمس سلاسل التوريد العالمية في نقاطها الأكثر هشاشة.



ما يزيد الأمر تعقيدًا أن الصين نفسها تستورد أكثر من 80% من احتياجاتها من الهيليوم. أن تفرض دولة حظرًا على تصدير سلعة تستوردها هي، يبدو متناقضًا بالأساس، لكنه يعكس منطقًا استراتيجيًا واضحًا: المورد الشحيح يُحفظ للداخل أولًا، ويُستخدم ورقة ضغط على الخارج ثانيًا.


ثالثًا: الصين تنمو رغم كل شيء



وسط هذا كله، برز رقم يستحق الوقوف عنده طويلًا: صادرات الصين في يونيو ارتفعت 27% مقارنة بالعام الماضي، أعلى وتيرة منذ أكتوبر 2021، متجاوزةً بمراحل توقعات المحللين التي كانت تشير إلى 18%. في النصف الأول من 2026، سجّلت الصين أعلى حجم تجارة فصلية في خمس سنوات، مدفوعةً بالطلب العالمي المتصاعد على أجهزة الذكاء الاصطناعي، وبسباق المُصدِّرين لتجنب الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة قبل تطبيقها.



أبرز قطاعات النمو كانت: أشباه الموصلات، والسيارات الكهربائية التي ارتفعت صادراتها 82% في يونيو وحده، والسفن، والأتربة النادرة. في المقابل، تراجعت صادرات الألعاب والأحذية والصلب، مما يُشير إلى تحول هيكلي نحو منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.



هنا، توجد مفارقة صارخة: واشنطن تفرض رسومًا جمركية لإضعاف الصين وتقليص عجزها التجاري معها، بينما ترد الصين بتسريع صادراتها وتوسيع شراكاتها مع دول الجنوب العالمي وحزام الطريق، وتُحكم في الوقت ذاته قبضتها على الموارد التي يحتاجها الآخرون لبناء اقتصادات المستقبل.


ما يجمع هذه الخيوط الثلاثة ليس مجرد مصادفة توقيت. إنها تعكس طبيعة التنافس الاقتصادي في عصر ما بعد العولمة: حيث المضائق البحرية جبهات حرب، والغازات الخاملة أسلحة استراتيجية، والأرقام التجارية ميادين للهيمنة. من يفهم هذه المعادلة الجديدة، يفهم العالم الذي نعيشه.

يتم الاستخدام المواد وفقًا للمادة 27 أ من قانون حقوق التأليف والنشر 2007، وإن كنت تعتقد أنه تم انتهاك حقك، بصفتك مالكًا لهذه الحقوق في المواد التي تظهر على الموقع، فيمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي: info@ashams.com والطلب بالتوقف عن استخدام المواد، مع ذكر اسمك الكامل ورقم هاتفك وإرفاق تصوير للشاشة ورابط للصفحة ذات الصلة على موقع الشمس. وشكرًا!