المزارع الاستيطانية.. كيف أصبحت الأغنام وسيلة للسيطرة على الأرض؟

تبدأ بخيمة وقطيع أغنام، ثم تتمدد إلى مساحات واسعة من الأرض، المزارع الاستيطانية باتت خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز أنماط التوسع في الضفة الغربية، فيما يواجه الرعاة الفلسطينيون تضييقًا متزايدًا على المراعي ومصادر المياه.

المصدر: صفحة هيئة مقاومة الجدار والاستيطان على منصة فيسبوك
المصدر: صفحة هيئة مقاومة الجدار والاستيطان على منصة فيسبوك
نُشر تحديث · قراءة 5 دقائق

عندما يُذكر التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، يتبادر إلى الذهن عادة بناء وحدات سكنية جديدة أو إقامة بؤر على قمم الجبال، لكن نمطًا مختلفًا من السيطرة على الأرض برز خلال السنوات الأخيرة، لا يبدأ بالرافعات والجرافات، بل بخيمة أو كرفان، وحظيرة، وقطيع من الأغنام أو الأبقار.

ويُعرف هذا النمط بالمزارع الاستيطانية أو البؤر الرعوية، وقد أصبح حاضرًا بصورة خاصة في مناطق الأغوار ومسافر يطا ومناطق أخرى مفتوحة من الضفة الغربية، حيث تقول منظمات تتابع الاستيطان إن الرعي واستخدام الطرق ومصادر المياه والبنية التحتية يساعد في توسيع نطاق السيطرة على الأرض، بينما تقدم الجهات الاستيطانية هذه المواقع باعتبارها نشاطًا زراعيًا ورعويًا.

خيمة وقطيع.. هكذا تبدأ

على عكس المستوطنة التقليدية التي تحتاج إلى مخططات وبنية تحتية ومبانٍ ومراحل طويلة من التخطيط، يمكن للمزرعة الرعوية أن تبدأ بعدد محدود جدًا من الأشخاص، وخيمة أو مبنى متنقل، وحظائر وقطيع.

لكن بساطة البداية لا تعني محدودية المساحة التي يمكن أن تؤثر فيها، فالرعي يحتاج إلى مناطق مفتوحة، ومع استخدام المنطقة بصورة مستمرة تتوسع المساحة التي تتحرك فيها القطعان، بينما يصبح الوصول إلى بعض الأراضي أصعب بالنسبة للرعاة الفلسطينيين.

وتشير دراسة مشتركة لمنظمتي "السلام الآن" و"كرم نابوت" إلى أن أكثر من 100 بؤرة رعوية أقيمت في الضفة الغربية، وأن هذه البؤر استُخدمت للسيطرة على ما لا يقل عن 786 ألف دونم، أي نحو 14% من مساحة الضفة الغربية، وفق معطيات التقرير المنشور في أبريل 2025.

وهنا تكمن إحدى الخصائص الأساسية لهذا النموذج، فالمساحة التي تسيطر عليها المزرعة لا تتحدد فقط بمساحة المباني الموجودة فيها، وإنما بمدى انتشار الرعي والطرق والحواجز والوجود البشري حولها.

أرقام تكشف حجم الظاهرة

بحسب إحصاء حديث لمنظمة "السلام الآن"، كان في الضفة الغربية حتى أغسطس 2026، باستثناء القدس الشرقية، 163 بؤرة و227 مزرعة، أي ما مجموعه 390 موقعًا غير مصنف كمستوطنات رسمية، وفق تعريف المنظمة.

كما تقول المنظمة إن 231 بؤرة ومزرعة جديدة أُقيمت منذ تولي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها في ديسمبر 2022، وإن هذه المواقع سيطرت، وفق تقديرها، على ما يقارب 20% من مساحة الضفة الغربية، أي أكثر من مليون دونم، وارتبطت بتهجير أكثر من 120 تجمعًا ومجموعة سكانية فلسطينية. وهذه أرقام واردة في رصد المنظمة وليست إحصاءً حكوميًا إسرائيليًا.

وفي النصف الأول من 2026 وحده، قالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إن 42 بؤرة جديدة أُقيمت في الضفة الغربية، معظمها بؤر رعوية، بينها أربع بؤر في مناطق مصنفة "ب"، كما سجلت الهيئة الاستيلاء على 4379 دونمًا من الأراضي الفلسطينية خلال الفترة نفسها.

وتظهر أهمية الرقم الأخير في أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على المناطق التي كانت تُعتبر مركزًا تقليديًا للتوسع الاستيطاني، إذ وثقت "السلام الآن" إقامة ما لا يقل عن 21 بؤرة في مناطق مصنفة "ب" خلال العامين ونصف العام الماضيين، مع استمرار بعضها وتوسعه بدل إزالته.

لماذا الأغوار ومسافر يطا؟

إذا كانت هناك مناطق تختصر قصة المزارع الرعوية، فهي الأغوار الفلسطينية ومسافر يطا جنوب الخليل، حيث تعتمد تجمعات فلسطينية عديدة على الرعي وتربية المواشي والزراعة.

في هذه المناطق، لا تعني السيطرة على قطعة أرض فقدان مساحة زراعية فقط، بل يمكن أن تعني فقدان المرعى ومصدر المياه والطريق المؤدي إلى الأرض، وبالتالي ارتفاع تكلفة تربية المواشي وتراجع قدرة العائلة على الاستمرار في نمط حياتها التقليدي.

وفي مارس 2026، وثقت وكالة وفا إقامة خيام وحظائر للمواشي في مسافر يطا، وإحضار قطيع أغنام وإطلاقه للرعي في أراضٍ ومحاصيل فلسطينية، فيما أفاد ناشط محلي بالاستيلاء على بئر مياه في المنطقة.

وتكررت خلال العام وقائع تتعلق بالرعي في أراضٍ فلسطينية وإتلاف محاصيل ومنع أصحاب الأراضي من الوصول إليها، ما يوضح أن الصراع لا يدور فقط حول مكان إقامة المزرعة، بل حول المساحة التي تصبح متاحة للرعي والحركة من حولها.

ماذا يعني ذلك للرعاة الفلسطينيين؟

بالنسبة للعائلات التي تعتمد على تربية المواشي، الأرض ليست مجرد ملكية مسجلة، فالمراعي والمياه ومسارات حركة القطعان تشكل منظومة اقتصادية واحدة.

عندما تصبح مساحات واسعة أقل وصولًا إليها، يضطر الراعي إلى شراء كميات أكبر من الأعلاف، أو تقليص عدد الحيوانات التي يملكها، أو البحث عن مصادر دخل أخرى، وفي الحالات الأشد قد يصبح البقاء في التجمع نفسه أكثر صعوبة.

وتقول "السلام الآن" إن أكثر من 120 تجمعًا ومجموعة سكانية فلسطينية، معظمها من التجمعات البدوية والرعوية، ارتبط تهجيرها بعنف المستوطنين، كما وثقت المنظمة و"كرم نابوت" رحيل ما لا يقل عن 19 تجمعًا ومجموعة سكانية في مناطق "ب" بعد تعرضها لمضايقات وعنف من المستوطنين.

وهذا يجعل ملف المزارع الرعوية مرتبطًا مباشرة بملف التهجير، فحين يخسر السكان إمكانية الوصول إلى المراعي والمياه والأراضي المحيطة، تصبح عملية الانتقال من المكان نتيجة لضغط اقتصادي وأمني واجتماعي متراكم، وليس بالضرورة نتيجة لقرار واحد معلن.

ماذا يحدث في المنطقة "ب"؟

تكتسب البؤر الرعوية التي أقيمت في المناطق المصنفة "ب" أهمية خاصة بسبب ترتيبات أوسلو.

ففي هذه المناطق تتمتع السلطة الفلسطينية بالصلاحيات المدنية، بما يشمل التخطيط والبناء، بينما تبقى الصلاحيات الأمنية بيد إسرائيل، وفق ترتيبات الاتفاق المرحلي.

وتقول "السلام الآن" إن ما لا يقل عن 21 بؤرة أُقيمت في المنطقة "ب" خلال العامين ونصف العام الماضيين، وإن عددًا منها استمر وتوسع رغم تصريحات رسمية سابقة عن إخلائها.

وفي المقابل، قالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إن أربعًا من البؤر الـ42 التي أقيمت خلال النصف الأول من 2026 ظهرت في مناطق "ب".

وتكشف هذه المعطيات أن ظاهرة المزارع والبؤر الرعوية لم تعد مرتبطة فقط بالمناطق المصنفة "ج"، بل ظهرت أيضًا في مناطق ذات ترتيبات مختلفة، وهو ما يضيف بُعدًا سياسيًا وقانونيًا إلى القضية.

من الرعي إلى السيطرة على الأرض

لفهم الظاهرة، لا يكفي النظر إلى عدد الخيام أو الأبنية في كل مزرعة، فهناك عناصر أخرى تساعد على توسيع نطاق السيطرة، بينها الطرق التي تصل إلى البؤر، والمركبات المستخدمة في التنقل، والبوابات، ومصادر المياه، والأراضي التي تستخدم للرعي.

وفي يوليو 2026، قالت "السلام الآن" إن أكثر من 220 كيلومترًا من الطرق الجديدة فُتحت خلال عامي 2024 و2025، معتبرة أن هذه الطرق ساعدت في إنشاء بؤر جديدة والوصول إلى مساحات إضافية من الأرض. كما أشارت المنظمة إلى أن الحكومة طلبت في يوليو تحويل مئات ملايين الشواقل إلى جهات مرتبطة بالاستيطان، بينها تمويل مخصص لما يسمى "المكونات الأمنية" للمستوطنات الناشئة.

وكانت الحكومة قد أقرت في مارس 2026، ضمن أموال ائتلافية، 50 مليون شيكل تحت بند "المكونات الأمنية للمستوطنات الناشئة"، وتقول "السلام الآن" إن هذا البند استُخدم لتمويل مزارع وبؤر، بما يشمل مركبات وطرقًا وبوابات كهربائية وألواحًا شمسية وبنية تحتية أخرى.

حمّلوا تطبيق الشمس الأخبار والبث المباشر بين يديكم App Store Google Play
تابعوا الشمس على تلغرام أخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشر انضم للقناة

وهنا يتحول السؤال من "أين توجد المزرعة؟" إلى سؤال أكبر: ما المساحة التي أصبحت مرتبطة بها فعليًا، ومن يستطيع الوصول إليها، ومن يستطيع استخدامها للرعي والزراعة؟

هل نحن أمام "ضم فعلي"؟

مصطلح "الضم الفعلي" يتكرر في تقارير منظمات فلسطينية وإسرائيلية عند وصف هذه الظاهرة، لكنه يبقى توصيفًا تحليليًا وليس اسمًا قانونيًا لهذه الإجراءات.

وفق هذه القراءة، فإن إنشاء البؤر الرعوية، وفتح الطرق، وتوسيع المستوطنات، والسيطرة على مصادر المياه، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى بعض أراضيهم، كلها عناصر يمكن أن تتراكم لتغيير الواقع على الأرض من دون صدور قرار واحد يعلن ضم كل منطقة.

وفي المقابل، يرى مؤيدو النشاط الاستيطاني أن إقامة المزارع واستخدام الأراضي للرعي والزراعة جزء من النشاط الاستيطاني، ولذلك من المهم التمييز في التقرير بين الوقائع الميدانية الموثقة وبين التفسير السياسي الذي تقدمه الجهات المختلفة لهذه الوقائع.

لماذا أصبحت المزارع الرعوية مهمة الآن؟

اللافت في 2026 ليس ظهور المزارع الرعوية بحد ذاته، فهي موجودة منذ سنوات، وإنما استمرار توسعها بالتزامن مع إنشاء بؤر جديدة، وإقامة طرق وبنية تحتية، وتحويل أموال حكومية إلى برامج مرتبطة بالمستوطنات، إلى جانب انتقال بعض البؤر إلى مراحل أكثر استقرارًا.

وفي سبتمبر 2026، أعلنت السلطات الإسرائيلية عن إجراءات جديدة مرتبطة بتسوية أوضاع عدد من البؤر، فيما واصلت إجراءات تخصيص أراضٍ باعتبارها "أراضي دولة"، وهي خطوات يمكن أن تؤثر لاحقًا في الوضع القانوني والتنظيمي للمواقع المقامة عليها البؤر.

وهذا يوضح أن المزرعة الرعوية لا تبقى بالضرورة مجرد تجمع مؤقت، فقد تبدأ بعدد محدود من الأشخاص والحيوانات، ثم تحصل على طرق وبنية تحتية، وتتمدد، وفي بعض الحالات تدخل لاحقًا في مسارات التنظيم أو التسوية.

بين خيمة وقطيع أغنام

قد تبدو المزرعة الاستيطانية في بدايتها مجرد خيمة وقطيع فوق تلة نائية، لكن تأثيرها لا يتوقف عند المساحة التي تشغلها الخيمة أو الحظيرة، بل يمتد إلى الأراضي التي تستخدم للرعي، والطرق التي تربطها بالمناطق المحيطة، ومصادر المياه، وقدرة السكان الفلسطينيين على الوصول إلى أراضيهم.

لهذا أصبحت المزارع الرعوية واحدة من أهم المفاتيح لفهم التوسع الاستيطاني في مناطق واسعة من الضفة الغربية، خصوصًا الأغوار ومسافر يطا.

وفي النهاية، لا تكمن أهمية القصة في عدد الأغنام داخل كل مزرعة، بل في السؤال الذي تطرحه على الأرض: كيف يمكن لمجموعة صغيرة من الأشخاص وقطيع من المواشي أن تغير عمليًا قدرة مجتمع كامل على استخدام مساحة واسعة من أرضه؟

هذا هو جوهر الجدل حول المزارع الرعوية، بين من يراها نشاطًا زراعيًا واستيطانيًا، ومن يرى فيها إحدى الوسائل التي تتراكم من خلالها السيطرة على الأرض ودفع التجمعات الرعوية الفلسطينية إلى الرحيل.

اقرأ/ي أيضًااقتراح مفاجئ: لا اقتطاع للتقاعد من راتبك حتى سن الأربعين
حقوق النشر وسياسة الاستخدام

يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.

في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.

يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.

شكرًا لتعاونكم.

اقرأ أيضًا عرض الكل ←