الجريمة والعنف.. لماذا لا تزال البلدات العربية تدفع الثمن؟

رغم الخطط الحكومية وحملات جمع السلاح وتشديد الإجراءات الأمنية، لا تزال الجريمة والعنف يحصدان أرواحًا في البلدات العربية، وتتكرر حوادث إطلاق النار والابتزاز والتهديد، فيما يبقى السؤال مطروحًا: لماذا لم تنجح هذه الخطط حتى الآن في استعادة الشعور بالأمان؟

صورة من أحد مواقع الجريمة- تصوير نجمة داوود الحمراء
صورة من أحد مواقع الجريمة- تصوير نجمة داوود الحمراء
نُشر · قراءة 5 دقائق

لم تعد جرائم القتل وإطلاق النار أحداثًا منفصلة، بل تحولت إلى أزمة ممتدة تتداخل فيها الجريمة المنظمة مع انتشار السلاح، والابتزاز الاقتصادي، والنزاعات العائلية، وضعف القدرة على حل الجرائم، إلى جانب تحديات اجتماعية واقتصادية عميقة. والأزمة لا تُقاس بعدد القتلى وحده، فهي تصل إلى المدارس والمصالح التجارية والسلطات المحلية، وتؤثر في حياة العائلات والشباب.

أرقام تفسر حجم الأزمة

خلال عام 2024، قُتل 224 فلسطينيًا في الداخل، جراء جرائم شملت إطلاق النار والطعن وتفجير العبوات واستهداف المركبات.

واستمرت موجة العنف خلال عام 2025، إذ قُتل 253 شخصًا في المجتمع العربي، بينهم 23 امرأة، لكن هذه الأرقام لا تختصر حجم ما تتركه الجريمة خلفها، فكل ضحية تعني عائلة كاملة تواجه الفقد والخوف والاضطراب النفسي والاجتماعي.

ومنذ مطلع عام 2026، قتل 178 عربي بجرائم عنف وقعت في مختلف المدن والبلدات العربية.

السلاح.. عنصر أساسي في تصعيد العنف

أحد أبرز عناصر الأزمة هو انتشار الأسلحة غير المرخصة، فالجريمة المنظمة لا تحتاج فقط إلى شبكات وأموال، بل إلى قدرة على فرض القوة، وهو ما يجعل السلاح عنصرًا أساسيًا في النزاعات والابتزاز وتحصيل الديون بالقوة.

لكن السلاح ليس أصل المشكلة الوحيد، فوجوده بكميات كبيرة يجعل النزاع المحلي أو العائلي قابلًا للتحول خلال دقائق إلى إطلاق نار أو جريمة قتل، لذلك فإن مصادرة السلاح قد تحد من بعض الجرائم، لكنها لا تعالج وحدها الشبكات التي تمتلك المال والنفوذ والقدرة على الحصول على أسلحة جديدة.

من النزاع العائلي إلى الجريمة المنظمة

خلال السنوات الأخيرة، لم تعد الصورة مقتصرة على النزاعات العائلية، إذ توسعت منظمات إجرامية في مجالات تشمل الابتزاز، وتحصيل الديون، وفرض الإتاوات، والقروض خارج النظام المصرفي، إضافة إلى تجارة السلاح والمخدرات.

وهنا يظهر اقتصاد إجرامي موازٍ، تتحول فيه الجريمة إلى مصدر دخل ومنظومة تستفيد من حاجة بعض المواطنين إلى المال ومن صعوبة الوصول إلى مصادر تمويل رسمية.

ولهذا تتحدث الخطط الحكومية عن مسارين متوازيين، أحدهما أمني لمكافحة منظمات الجريمة، والآخر اجتماعي واقتصادي يتعلق بالتعليم والتشغيل وتوسيع الفرص أمام الشباب.

الابتزاز يضرب الاقتصاد المحلي

الابتزاز لا يستهدف الأفراد فقط، بل يمكن أن يصل إلى أصحاب المصالح والمقاولين وأصحاب الورش والمشاريع، عبر التهديد أو فرض مبالغ مالية مقابل الحماية.

وهنا تتقاطع الجريمة مع الاقتصاد المحلي، لأن الخوف من الابتزاز قد يدفع بعض أصحاب المصالح إلى تقليص نشاطهم أو تجنب الاستثمار، بينما يؤدي انتشار المال غير الرسمي إلى إضعاف الاقتصاد القانوني، ما يجعل الجريمة قضية اقتصادية وتنموية أيضًا، وليست مجرد ملف أمني.

أين تقف الشرطة؟

الشرطة تقول إنها كثفت نشاطها ضد منظمات الجريمة ونفذت عمليات لجمع الأسلحة وتعقب المشتبه بهم.

وفي أغسطس 2026، قال مفوض الشرطة داني ليفي إن هناك "انخفاضًا حادًا" في جرائم القتل داخل المجتمع العربي، وإن معدل القتل الشهري أصبح، بحسب وصفه، في أفضل فترة خلال السنوات الخمس الأخيرة.

لكن هذه المؤشرات الشهرية تأتي في ظل بيانات النصف الأول من العام التي أظهرت استمرار ارتفاع عدد الضحايا، ما يترك فجوة بين المؤشرات التي تستند إليها الشرطة وبين الصورة التراكمية التي تعرضها منظمات المتابعة.

كما حمّلت الشرطة في مناسبات مختلفة جزءًا من صعوبات حل الجرائم للنيابة والمحاكم، وتحدث مسؤولون فيها عن نقص أدوات وتقنيات جمع الأدلة.

أزمة الثقة.. مشكلة داخل المشكلة

حتى الوصول إلى موقع الجريمة لا يعني أن التحقيق سيكون سهلًا، فالخوف من الانتقام قد يجعل بعض الشهود يترددون في تقديم المعلومات، خصوصًا عندما تكون الجريمة مرتبطة بمنظمات قادرة على ممارسة الضغط والتهديد.

وهنا تصبح الثقة جزءًا من المعادلة الأمنية نفسها، فإذا لم يشعر المواطن بأن شهادته ستؤدي إلى حماية حقيقية له ولعائلته، فقد يختار الصمت، ما يصعّب جمع الأدلة ويؤثر في فرص حل الجريمة.

لذلك تصبح حماية الشهود وتعزيز الثقة بالمؤسسات جزءًا من مكافحة الجريمة، وليس قضية منفصلة عنها.

الخطط الحكومية.. بين الميزانيات والتنفيذ

أقرت الحكومة القرار 549 لمكافحة الجريمة والعنف في المجتمع العربي ضمن خطة متعددة السنوات، لكن تنفيذ الخطة أصبح موضع انتقاد.

وفي يونيو 2026، أقر مستشار وزير الأمن الوطني دافيد بافلي أمام لجنة في الكنيست بأن نسبة تنفيذ خطة القرار 549 بلغت نحو 21% فقط، بحسب ما نقلته اللجنة، فيما قال إن جزءًا من الأموال "تسرّب إلى منظمات إجرامية".

وفي ديسمبر 2025، قال رئيس لجنة رقابة الدولة في الكنيست إن التقدم في تنفيذ الخطة الخمسية كان محدودًا رغم الميزانيات المخصصة لها، ما يطرح سؤالًا حول الفجوة بين إقرار الخطط وبين تنفيذها وتحويل الموارد إلى نتائج ملموسة.

التنمية أم المزيد من الإنفاذ؟

ظهر الخلاف بوضوح خلال 2026 مع النقاش حول تحويل أموال من الخطة الاقتصادية للمجتمع العربي إلى أجهزة إنفاذ القانون.

فخطة الحكومة 550 مخصصة لتقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية، وتشمل التعليم والتشغيل والبنية التحتية والخدمات، وفي يونيو 2026 ناقشت لجنة الشباب في الكنيست مقترحات لتحويل نحو 1.5 مليار شيكل من الخطة إلى آليات إنفاذ.

واعترض أعضاء كنيست ومنظمات مدنية على تقليص الإنفاق المدني، معتبرين أن معالجة الأسباب طويلة الأمد للجريمة تحتاج إلى الاستثمار في التعليم والعمل والخدمات، بينما يرى مؤيدو زيادة الإنفاق الأمني أن حجم الجريمة يستدعي إجراءات عاجلة.

وبذلك يتمحور الخلاف حول كيفية الجمع بين الاستجابة الأمنية السريعة ومعالجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تسمح للجريمة بالتوسع.

الحرب أضافت طبقة جديدة إلى الأزمة

الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 أضافت تحديات أخرى إلى المشهد، إذ واجه المجتمع العربي العنف الداخلي وتداعيات الحرب في الوقت نفسه، بينما توزعت موارد الدولة الأمنية على ملفات متعددة.

منظمات مدنية تقول إن الحرب عمقت الفجوات الاقتصادية والاجتماعية وأثرت في قدرة بعض السلطات المحلية على التعامل مع الأزمات، بينما تؤكد مؤسسات الدولة أن مكافحة الجريمة داخل المجتمع العربي بقيت ضمن أولوياتها.

وفي فبراير 2026، وصف الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ ارتفاع الجريمة المنظمة والعنف في المجتمع العربي بأنه حالة طوارئ وطنية، وفي يوليو تحدث عن واقع وصفه بأنه غير محتمل، مشددًا على مسؤولية الدولة عن توفير الأمن الشخصي لجميع المواطنين.

السلطات المحلية والشباب يدفعون الثمن

السلطات المحلية العربية أصبحت جزءًا من المواجهة، لأنها تدير ميزانيات ومناقصات ومشاريع وخدمات قد تصبح هدفًا لمحاولات الابتزاز أو التأثير، كما أن ضعف الموارد أو تأخر المشاريع التنموية يضعها في وضع أكثر هشاشة.

حمّلوا تطبيق الشمس الأخبار والبث المباشر بين يديكم App Store Google Play
تابعوا الشمس على تلغرام أخبار عاجلة · تقارير حصرية · بث مباشر انضم للقناة

أما الشباب، فتظهر آثار العنف عليهم حتى عندما لا يكونون ضحايا مباشرين، إذ يمكن أن يؤثر إطلاق النار المتكرر والخوف من الجريمة على علاقتهم بالمدرسة والعمل والفضاء العام.

ودراسة أكاديمية تناولت تأثير العنف المجتمعي على البيئة التعليمية في المدارس العربية في إسرائيل أشارت إلى انعكاسات العنف على المناخ المدرسي ورفاه الطلاب والمعلمين، ودعت إلى تعزيز الدعم والتدريب على التعامل مع آثار الصدمات.

كما لا تتوقف آثار الجريمة عند الضحية، فالعائلة قد تفقد مصدر دخلها، والأطفال قد يكبرون في ظل فقدان أحد أفراد الأسرة، ما يجعل عدد القتلى مؤشرًا واحدًا فقط على حجم الخسارة.

دخول الشاباك إلى المعادلة

في يوليو 2026، وافقت الحكومة على خطة لإشراك جهاز الأمن العام في مكافحة الجريمة المنظمة داخل المجتمع العربي، وفق تقارير إعلامية إسرائيلية، مع تخصيص مئات ملايين الشواكل للجهود الجديدة.

المؤيدون للخطوة يرون أن بعض شبكات الجريمة باتت تستخدم قدرات مالية وتنظيمية وتقنيات متقدمة تتطلب أدوات استخبارية، بينما حذرت منظمات حقوقية من توسيع استخدام جهاز ذي صلاحيات أمنية استثنائية في ملف جنائي مدني.

وبذلك اتسع النقاش من كيفية مكافحة الجريمة إلى حدود الأدوات التي يمكن للدولة استخدامها في هذه المواجهة.

هل يكفي جمع السلاح؟

التجربة الأخيرة تشير إلى أن جمع السلاح، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون الحل الوحيد، فحتى إذا نجحت الشرطة في مصادرة أسلحة، يمكن للشبكات الإجرامية إعادة بناء قدراتها إذا بقيت مصادر تمويلها وشبكاتها الاقتصادية قائمة.

ولهذا تتحدث الخطط الحكومية عن مسارين متوازيين، مكافحة الجريمة من جهة، وتقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى، لكن التحدي يبقى في تحويل هذا التصور إلى تنفيذ مستمر وشفاف يمكن قياس نتائجه.

لماذا لا تزال البلدات العربية تدفع الثمن؟

لأن الجريمة لم تعد مشكلة يمكن اختزالها في عدد من عمليات إطلاق النار أو في حملات اعتقال، بل أصبحت منظومة تضم السلاح غير المرخص، ومنظمات الجريمة، ومصادر التمويل، والابتزاز، والنزاعات العائلية، وضعف حل الجرائم، وأزمة الثقة، والفجوات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب مشكلات في تنفيذ الخطط الحكومية.

وفي المقابل، توجد عمليات أمنية وخطط حكومية وبرامج اجتماعية وتحركات من السلطات المحلية والمجتمع المدني، لكن نتائجها لا تزال موضع نقاش.

ولهذا فإن السؤال الأهم لم يعد فقط: كم شخصًا قُتل هذا العام؟ بل هل تستطيع الدولة والمجتمع تفكيك المنظومة التي تجعل الجريمة قادرة على الاستمرار، من السلاح والمال والابتزاز إلى ضعف الردع والفجوات الاجتماعية؟

فاستعادة الأمن في البلدات العربية لا تتوقف على خفض عدد جرائم القتل في شهر أو شهرين، وإنما على بناء قدرة مستمرة على منع الجريمة وحلها وحماية الشهود وتجفيف مصادر تمويلها، بالتوازي مع توفير بدائل اقتصادية واجتماعية تمنع إعادة إنتاجها من جديد.

اقرأ/ي أيضًا
90 ألف شيكل سنويًا.. كيف يمكن لرسوم الإدارة أن تلتهم مدخرات التقاعد؟
حقوق النشر وسياسة الاستخدام

يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.

في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.

يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.

شكرًا لتعاونكم.

اقرأ أيضًا عرض الكل ←