مع بداية يناير، لا يشعر الجميع بالحماس المتوقع للعام الجديد، بل يواجه كثيرون حالة من الثِقل النفسي والارتباك العاطفي رغم أجواء التفاؤل السائدة.
هذه المشاعر ليست ضعفًا أو فشلًا شخصيًا، بل استجابة نفسية طبيعية تُعرف باسم اكتئاب بداية العام أو إعادة الضبط النفسي.
اكتئاب بداية العام: لماذا يبدو يناير مختلفًا نفسيًا؟
يرى خبراء الصحة النفسية أن شهر يناير لا يُستقبل كغيره من الشهور، بل يُنظر إليه كنقطة فاصلة بين الماضي والمستقبل.
مع تغير التقويم، يبدأ العقل في تقييم قاسٍ لما مضى، وما كان يجب تحقيقه، وما لم يكتمل، ما يخلق مزيجًا من الأمل والضغط الداخلي في آنٍ واحد.
هذا التقييم الذاتي، رغم أهميته، قد يتحول سريعًا إلى جلد للذات، خاصة مع المقارنة بالآخرين أو التوقعات غير الواقعية لبداية مثالية.
يناير شهر التقييم الذاتي القاسي
تشير التحليلات النفسية إلى أن يناير يوقظ أسئلة وجودية تلقائية مثل: ماذا أنجزت؟ وما الذي أخفقت فيه؟ وما الذي يجب تغييره فورًا؟
المشكلة لا تكمن في طرح هذه الأسئلة، بل في حدّتها وتوقيتها، إذ تأتي بعد فترة إرهاق طويلة، ما يجعل الإجابات مشحونة بالإحباط بدل الوضوح.
الأسبوع الأول من يناير وإعادة الضبط النفسي
من منظور علم النفس، يمثل يناير “مرجعًا زمنيًا” جديدًا، يفصل بين ما كان وما يُفترض أن يكون.
هذا الإحساس يدفع الإنسان للبحث عن معنى واتجاه جديد، لكنه في المقابل يضاعف الضغط الداخلي، خصوصًا مع انتشار ثقافة الأهداف الضخمة وقرارات التغيير الجذري.
كثيرون يشعرون بأن عليهم إصلاح كل شيء دفعة واحدة، وهو ما يؤدي غالبًا إلى قرارات متسرعة نابعة من الذنب لا من الاستعداد الحقيقي.
الإرهاق العاطفي المتراكم من ديسمبر
يُعد الإرهاق غير المُعالج من شهر ديسمبر أحد الأسباب الخفية لثِقل يناير النفسي.
فالعطلات، رغم طابعها الاحتفالي، تفرض ضغوطًا متعددة مثل كثرة الالتزامات الاجتماعية، وضغط العمل، والأعباء المالية، واضطراب النوم والروتين اليومي.
لذلك، قد يدخل العقل العام الجديد بينما لا يزال الجسد في مرحلة التعافي.
أعراض اكتئاب بداية العام
قد تظهر إعادة الضبط النفسية في صورة عصبية متزايدة، فقدان للحافز، شعور غامض بعدم الرضا، أو إحساس بأن الأمور ليست على ما يرام رغم استقرار الحياة.
هذه الأعراض شائعة ولا تعني الاكتئاب السريري، لكنها إشارة واضحة للحاجة إلى التهدئة وإعادة التوازن.
التغيير الحقيقي في يناير: خطوات هادئة لا صادمة
يؤكد المتخصصون أن التغيير المستدام لا يبدأ بقرارات حادة في الأسبوع الأول من يناير، بل بأسئلة أبسط وأكثر رحمة بالذات، مثل: ما الذي دعم صحتي النفسية؟ وما الذي استنزف طاقتي؟
التغييرات الصغيرة والمتدرجة أكثر فاعلية من محاولات الانقلاب الكامل على نمط الحياة.
ولمتابعة كل ما يخص"عرب 48" يمكنك متابعة قناتنا الإخبارية على تلجرام
دور المؤسسات وأماكن العمل في بداية العام
لا تقع المسؤولية على الأفراد وحدهم، فالمؤسسات مطالبة أيضًا بفهم حساسية هذه المرحلة.
توقع إنتاجية قصوى منذ الأيام الأولى قد يؤدي لنتائج عكسية، بينما منح مساحة لبناء الزخم تدريجيًا يعزز التركيز، التوازن العاطفي، والاستمرارية على المدى الطويل.
طالع أيضًا
متلازمة اللغة الأجنبية: حالة نادرة تصيب مراهقًا بعد التخدير العام