في ظل أجواء الحرب والتوتر الأمني المستمر، يبرز مفهوم "الحصانة النفسية" كأحد أهم عوامل الصمود الفردي والأسري.
أوضح الدكتور ياسر بشير، الطبيب والمعالج النفسي والباحث في الصحة النفسية، أن الحصانة النفسية تعني قدرة الإنسان على التعامل مع الظروف الطارئة بشكل عقلاني، والحفاظ على توازنه النفسي والجسدي، دون الانهيار تحت وطأة الضغوط.
وأضاف في مداخلة هاتفية ضمن برنامج "بيت العيلة"، على إذاعة الشمس، أن الإنسان بطبيعته يمتلك قدرة على التكيف، لكن التحدي يكمن في تراكم الأزمات، من جائحة كورونا إلى الحروب المتلاحقة، ما يُبقي الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم.
وحذر من أن استمرار التوتر يؤدي إلى إفراز مزمن لهرمونات الضغط مثل الكورتيزول، وهو ما قد ينعكس على شكل، إنهاك نفسي، واضطرابات نوم، تشتت ذهني، حساسية انفعالية مفرطة، ونوبات بكاء أو غضب مفاجئة.
وأضاف أن التعرض المستمر للأخبار، عبر الهواتف ووسائل الإعلام، يعزز الإحساس بأن الخطر حاضر في كل لحظة، ما يدفع الدماغ إلى "التفكير الكارثي" وتضخيم الأحداث.
ولمتابعة كل ما يخص "عرب 48" يُمكنك متابعة قناتنا الإخبارية على تلجرام
كيف نعرف أننا نملك حصانة نفسية؟
وأكد الدكتور ياسر بشير، أن الحصانة النفسية أمر نسبي ومتغير، لكنها ترتبط بعدة مؤشرات، منها:
- الوعي بالمشاعر وعدم إنكارها
- القدرة على التعبير والتفريغ الانفعالي
- إشراك أفراد الأسرة في الحوار حول ما يحدث
- تنظيم التعرض للأخبار وتحديد أوقات لمتابعتها
- الحفاظ على روتين يومي قدر الإمكان
وشدد على أهمية الاعتراف بالخوف بدل إنكاره، خاصة لدى الرجال الذين قد يميلون إلى كبت مشاعرهم، ما يؤدي لاحقًا إلى سلوكيات عصبية تؤثر على أجواء البيت.
بناء "روتين أمان" داخل الأسرة
من أبرز الأدوات التي ينصح بها:
- تنظيم التنفس للحد من فرط الاستثارة العصبية
- توزيع الأدوار داخل البيت لتعزيز الشعور بالسيطرة
- إنشاء مساحة حوار يومي مفتوح بين أفراد الأسرة
- طمأنة الأطفال بأن الخوف شعور طبيعي، لكن يمكن إدارته
وأوضح أن فقدان الشعور بالتحكم هو من أكبر الخسائر النفسية في أوقات الحرب، لذلك فإن بناء إحساس بالسيطرة—even في تفاصيل بسيطة داخل المنزل—يعزز المرونة النفسية.
الخوف طبيعي
واختتم "بشير" بالتأكيد أن الحصانة النفسية لا تعني غياب الخوف، بل القدرة على إدارة الاستجابة له بوعي ومسؤولية.
واختتم حديثه قائلًا: "قد لا نستطيع منع القلق، لكن يمكننا أن نحوله إلى سلوك منظم وبنّاء، بدل أن يتحول إلى فوضى داخل الأسرة. الحرب حدث خارجي، لكن طريقة استجابتنا لها قرار داخلي".
كيف نحول بيوتنا إلى ملجأ آمن نفسياً وجسدياً في زمن الحرب؟
من جانبها، قالت الدكتورة هانية عبيد، مختصة في علاج الصدمات النفسية، إن الاستعداد لفترات الحرب والأزمات يتطلب توازناً دقيقاً بين الوعي والمنطق، بعيداً عن الهلع.
وأضافت في مداخلة هاتفية ضمن برنامج "بيت العيلة"، على إذاعة الشمس، أن أول عنصرين يعززان الشعور بالأمان هما السيطرة والروتين، موضحة أن الحفاظ على الروتين اليومي يمنح شعوراً بأن هناك تفاصيل ما زلنا قادرين على إدارتها.
ما الذي يجب توفيره في البيت؟
أوضحت "عبيد" أن الجاهزية تبدأ بتجهيز احتياجات أساسية تكفي لفترة معقولة، دون مبالغة، وتشمل:
- الأدوية للأمراض المزمنة بكميات إضافية محدودة تكفي للطوارئ.
- احتياجات الأطفال مثل الحليب، الحفاضات، والمستلزمات الصحية.
- مواد غذائية طويلة الصلاحية مثل المعلبات، البقوليات، الحبوب، والمواد الجافة.
- كمية كافية من مياه الشرب لعدة أسابيع.
- وسائل إضاءة بديلة وبطاريات و"باور بانك" مشحون.
- حقيبة إسعافات أولية تحتوي
- مواد نظافة شخصية
- جمع الوثائق المهمة للعائلة في مكان واحد يسهل الوصول إليه.
كيف نحافظ على توازننا النفسي؟
وأشارت "عبيد" إلى أهمية تنظيم متابعة الأخبار وعدم البقاء لساعات طويلة أمام الشاشات، مؤكدة أن الإفراط في متابعة المستجدات يزيد التوتر.
كما دعت إلى الحفاظ على الروتين اليومي واللجوء إلى الممارسات الروحانية، خاصة في شهر رمضان، لما لها من دور في تهدئة النفس وتعزيز الثبات الانفعالي.
وأضافت: "الحديث مع من حولنا، ومشاركة المشاعر، وحتى تبادل النكات أحياناً، كلها آليات تكيف طبيعية تساعدنا على تخفيف حدة التوتر، الضحك ليس إنكاراً للخطر، بل وسيلة إنسانية لتنظيم مشاعرنا".
وختمت بالتأكيد على أن الجاهزية لا تعني الخوف، بل تعني إدارة الواقع بوعي، وتحويل البيت إلى مساحة أمان واستقرار في ظل ظروف غير مستقرة.