تقف الهدنة الهشة بين إيران والولايات المتحدة عند منعطف بالغ الحساسية، في ظل تصاعد التهديدات المتبادلة وتسارع التطورات السياسية والعسكرية، ما يعيد المنطقة إلى أجواء التوتر الحاد بعد أسابيع من الهدوء النسبي.
فبعد مرور 62 يوماً على اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، و23 يوماً على بدء سريان الهدنة، بدأت ملامح الانهيار التدريجي لهذا الاتفاق غير المستقر تتضح، مع تصاعد الخطاب السياسي وتزايد التحركات العسكرية في أكثر من اتجاه.
ترامب يصعد لهدته تجاه طهران
وفي هذا السياق، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب من لهجته تجاه طهران، داعياً إياها صراحة إلى الاستسلام، ومؤكداً أنها تلقت هزيمة عسكرية قاسية أدت إلى تدمير شبه كامل لقدراتها الجوية، إضافة إلى خسائر بحرية كبيرة.
ولم يكتفِ ترامب بذلك، بل أشار إلى أن الاقتصاد الإيراني يواجه انهياراً حاداً، مع تراجع كبير في قيمة العملة، مشيداً في الوقت نفسه بفعالية الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، والذي وصفه بـ”العمل العبقري”.
وأكد ترامب أن أي اتفاق مستقبلي مع إيران يظل مستبعداً ما لم تقدم التزامات واضحة بعدم امتلاك أسلحة نووية، مشيراً إلى استمرار الاتصالات الهاتفية بين الجانبين، مع تفضيله العودة إلى المفاوضات المباشرة، رغم المؤشرات المتزايدة على تعثر المسار الدبلوماسي.
تحالف جديد لتأمين الملاحة في هرمز
وفي موازاة ذلك، كشفت تقارير صحفية عن تحركات أميركية لتشكيل تحالف دولي جديد يهدف إلى تأمين الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يُنظر إليه كخطوة استراتيجية تحمل أبعاداً تصعيدية، خصوصاً في ظل أهمية المضيق كممر حيوي لإمدادات الطاقة العالمية.
على الجانب الإيراني، لم تتأخر الردود، حيث رفعت طهران من سقف تهديداتها، محذرة من أن ما وصفته بالقرصنة البحرية الأميركية لن يمر دون رد.
طالع أيضا: جمود المفاوضات.. تحذيرات من انفجار أوسع والعفو الدولية تدين الهجمات وسط اضطراب إقليمي متصاعد
الرد العسكري الإيراني قد يكون غير مسبوق
ونقلت وسائل إعلام رسمية عن مصدر أمني تأكيده أن الرد العسكري قد يكون غير مسبوق إذا استمر الحصار البحري، مشدداً على أن صبر إيران ليس بلا حدود، وأن الخيارات العسكرية باتت مطروحة بقوة.
وفي خضم هذا التصعيد، برزت مؤشرات على محاولات لاحتواء الأزمة، إذ أفادت تقارير بأن وسطاء دوليين، من بينهم أطراف باكستانية، يعملون على دفع إيران لتقديم عرض معدل لاستئناف المفاوضات، بعد رفض واشنطن لمقترح سابق.
هذه التحركات تعكس حالة التردد بين خيارين متناقضين: التصعيد العسكري أو العودة إلى المسار الدبلوماسي.
توتر ملحوظ بشأن إدارة الملف الإيراني
داخلياً، تشهد الساحة السياسية الأميركية توتراً ملحوظاً بشأن إدارة الملف الإيراني، فقد انتقد براين ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، دور الأمم المتحدة في التعامل مع الملف النووي الإيراني، معتبراً أن إشراكها في قضايا حساسة مثل التفتيش النووي يثير مخاوف أمنية.
واتهم ماست طهران بإخفاء أنشطتها النووية والصاروخية لفترات طويلة، محذراً من مخاطر تمكينها من الوصول إلى معلومات مصنفة.
وزير الحرب الأميركي يتعرض لانتقادات حادة في الكونغرس
كما واجه وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث انتقادات حادة خلال أول إفادة له أمام الكونغرس بشأن الحرب في إيران، حيث اتهمه نواب ديمقراطيون بعدم تقديم معلومات دقيقة حول مجريات العمليات العسكرية.
وشهدت جلسة الاستماع، التي شارك فيها رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين، نقاشات حادة عكست حجم الانقسام داخل المؤسسة التشريعية حول إدارة الصراع.
ورغم تأكيد هيغسيث أن عدداً من المنشآت النووية الإيرانية قد تم تدميره، إلا أنه أقر بأن طموحات طهران النووية لا تزال قائمة، مشيراً إلى أن البرنامج النووي الإيراني يخضع لمراقبة مستمرة على مدار الساعة.
خطة للسيطرة على جزء من مضيق هرمز
ميدانياً، تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز، حيث أفادت تقارير بأن الإدارة الأميركية تدرس خطة للسيطرة على جزء من المضيق بهدف إعادة فتحه أمام الملاحة، وهي خطوة قد تشمل نشر قوات برية إلى جانب التحركات البحرية، ما يعكس احتمال توسع نطاق المواجهة.
وفي السياق ذاته، كشفت مصادر عن إعداد القيادة المركزية الأميركية خطة لتنفيذ ضربات سريعة ومكثفة تستهدف بنية تحتية داخل إيران، في محاولة لكسر حالة الجمود في المفاوضات.
كما أشارت تقارير إلى طلب “سنتكوم” نشر صواريخ فرط صوتية في الشرق الأوسط، تحسباً لأي مواجهة محتملة، وهو ما يعكس تصعيداً نوعياً في الخيارات العسكرية المطروحة.
ارتفاع أسعار النفط بشكل ملحوظ
اقتصادياً، بدأت تداعيات التوتر تنعكس على الأسواق العالمية، حيث ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ، مع تسجيل خام برنت قفزة بنحو 3 دولارات ليصل إلى 121.64 دولاراً للبرميل، وسط مخاوف متزايدة من اندلاع مواجهة عسكرية قد تعطل إمدادات الطاقة.
في المحصلة، تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى “هدنة اختبار” منها إلى اتفاق مستدام، في ظل غياب الثقة وتضارب الأهداف بين الطرفين.
وبينما تتواصل الجهود الدبلوماسية خلف الكواليس، تبقى احتمالات الانفجار قائمة، ما يضع المنطقة أمام مفترق طرق حاسم قد يحدد شكل المرحلة المقبلة، سواء باتجاه التصعيد الشامل أو العودة إلى طاولة التفاوض بشروط جديدة.