تقف الهدنة الهشة بين إيران والولايات المتحدة عند منعطف بالغ الحساسية، في ظل تصاعد التهديدات المتبادلة وتسارع التطورات السياسية والعسكرية، ما يعيد المنطقة إلى أجواء التوتر الحاد بعد أسابيع من الهدوء النسبي.
فبعد مرور 62 يوماً على اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، و23 يوماً على بدء سريان الهدنة، بدأت ملامح الانهيار التدريجي لهذا الاتفاق غير المستقر تتضح، مع تصاعد الخطاب السياسي وتزايد التحركات العسكرية في أكثر من اتجاه.
تزايد حدة التوتر حول مضيق هرمز
وتتزايد حدة التوتر في منطقة مضيق هرمز، مع تبادل التصريحات بين إيران والولايات المتحدة، في وقت تتكثف فيه التحركات الدولية لتجنب انزلاق الأوضاع نحو مواجهة أوسع تهدد أمن الملاحة العالمية.
المرشد الإيراني: الوجود الأميركي المصدر الرئيسي لانعدام الأمن
وفي هذا السياق، اعتبر المرشد الإيراني مجتبى خامنئي أن الوجود الأميركي في الدول المطلة على المياه الإقليمية يمثل “المصدر الرئيسي لانعدام الأمن” في المنطقة، مشيراً إلى أن أي ترتيبات جديدة لإدارة المضيق قد تسهم في تحقيق الاستقرار وتعزيز التعاون الاقتصادي بين دول الخليج.
وأضاف أن القواعد الأميركية، التي وصفها بـ”الوهمية”، غير قادرة على حماية نفسها، في إشارة إلى هشاشة الانتشار العسكري الأميركي، وفق تعبيره.
أمن المياه الإقليمية خط أحمر
من جهته، شدد محمد رضا عارف على أن أمن المياه الإقليمية يمثل “خطاً أحمر” غير قابل للتفاوض، خصوصاً مع اقتراب المنطقة من تحولات كبرى.
وفي السياق ذاته، أعلن الحرس الثوري الإيراني التزام بلاده بسياسة حسن الجوار، مع اتهام الولايات المتحدة وإسرائيل بدفع دول المنطقة إلى صراعات متصاعدة. كما لوّح قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري برد عسكري “طويل ومؤلم” على أي هجوم أميركي، مؤكداً أن السفن الأميركية قد تواجه مصيراً مشابهاً للقواعد العسكرية التي استُهدفت خلال الحرب الأخيرة.
اتصالات هاتفية مع بزشكيان
على الصعيد الدولي، كشفت فوميو كيشيدا عن اتصالات هاتفية مع مسعود بزشكيان لبحث تطورات الوضع، مشدداً على ضرورة ضمان مرور السفن المرتبطة باليابان عبر المضيق. وأكدت طوكيو استمرار جهودها الدبلوماسية لضمان حرية الملاحة.
في المقابل، دعا أولاف شولتس إلى إنهاء الحصار المفروض على المضيق، مطالباً إيران بالعودة إلى طاولة المفاوضات دون تأخير، ومشيراً إلى تنسيق مستمر مع الشركاء الدوليين.
وفي تطور موازٍ، أفادت تقارير بأن دونالد ترامب سيطّلع على خطط عسكرية محتملة، تشمل تنفيذ ضربات محدودة داخل إيران أو السيطرة على أجزاء من المضيق لإعادة فتحه، إضافة إلى عمليات خاصة تستهدف البرنامج النووي الإيراني.
وبين التصعيد العسكري والتحركات الدبلوماسية، يبقى مضيق هرمز في قلب معادلة أمنية معقدة، تحمل تداعيات مباشرة على استقرار المنطقة وأسواق الطاقة العالمية.
ترامب يصعد لهدته تجاه طهران
وفي هذا السياق، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب من لهجته تجاه طهران، داعياً إياها صراحة إلى الاستسلام، ومؤكداً أنها تلقت هزيمة عسكرية قاسية أدت إلى تدمير شبه كامل لقدراتها الجوية، إضافة إلى خسائر بحرية كبيرة.
ولم يكتفِ ترامب بذلك، بل أشار إلى أن الاقتصاد الإيراني يواجه انهياراً حاداً، مع تراجع كبير في قيمة العملة، مشيداً في الوقت نفسه بفعالية الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، والذي وصفه بـ”العمل العبقري”.
وأكد ترامب أن أي اتفاق مستقبلي مع إيران يظل مستبعداً ما لم تقدم التزامات واضحة بعدم امتلاك أسلحة نووية، مشيراً إلى استمرار الاتصالات الهاتفية بين الجانبين، مع تفضيله العودة إلى المفاوضات المباشرة، رغم المؤشرات المتزايدة على تعثر المسار الدبلوماسي.
تحالف جديد لتأمين الملاحة في هرمز
وفي موازاة ذلك، كشفت تقارير صحفية عن تحركات أميركية لتشكيل تحالف دولي جديد يهدف إلى تأمين الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يُنظر إليه كخطوة استراتيجية تحمل أبعاداً تصعيدية، خصوصاً في ظل أهمية المضيق كممر حيوي لإمدادات الطاقة العالمية.
على الجانب الإيراني، لم تتأخر الردود، حيث رفعت طهران من سقف تهديداتها، محذرة من أن ما وصفته بالقرصنة البحرية الأميركية لن يمر دون رد.
طالع أيضا: جمود المفاوضات.. تحذيرات من انفجار أوسع والعفو الدولية تدين الهجمات وسط اضطراب إقليمي متصاعد
الرد العسكري الإيراني قد يكون غير مسبوق
ونقلت وسائل إعلام رسمية عن مصدر أمني تأكيده أن الرد العسكري قد يكون غير مسبوق إذا استمر الحصار البحري، مشدداً على أن صبر إيران ليس بلا حدود، وأن الخيارات العسكرية باتت مطروحة بقوة.
وفي خضم هذا التصعيد، برزت مؤشرات على محاولات لاحتواء الأزمة، إذ أفادت تقارير بأن وسطاء دوليين، من بينهم أطراف باكستانية، يعملون على دفع إيران لتقديم عرض معدل لاستئناف المفاوضات، بعد رفض واشنطن لمقترح سابق.
هذه التحركات تعكس حالة التردد بين خيارين متناقضين: التصعيد العسكري أو العودة إلى المسار الدبلوماسي.
توتر ملحوظ بشأن إدارة الملف الإيراني
داخلياً، تشهد الساحة السياسية الأميركية توتراً ملحوظاً بشأن إدارة الملف الإيراني، فقد انتقد براين ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، دور الأمم المتحدة في التعامل مع الملف النووي الإيراني، معتبراً أن إشراكها في قضايا حساسة مثل التفتيش النووي يثير مخاوف أمنية.
واتهم ماست طهران بإخفاء أنشطتها النووية والصاروخية لفترات طويلة، محذراً من مخاطر تمكينها من الوصول إلى معلومات مصنفة.
وزير الحرب الأميركي يتعرض لانتقادات حادة في الكونغرس
كما واجه وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث انتقادات حادة خلال أول إفادة له أمام الكونغرس بشأن الحرب في إيران، حيث اتهمه نواب ديمقراطيون بعدم تقديم معلومات دقيقة حول مجريات العمليات العسكرية.
وشهدت جلسة الاستماع، التي شارك فيها رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين، نقاشات حادة عكست حجم الانقسام داخل المؤسسة التشريعية حول إدارة الصراع.
ورغم تأكيد هيغسيث أن عدداً من المنشآت النووية الإيرانية قد تم تدميره، إلا أنه أقر بأن طموحات طهران النووية لا تزال قائمة، مشيراً إلى أن البرنامج النووي الإيراني يخضع لمراقبة مستمرة على مدار الساعة.
خطة للسيطرة على جزء من مضيق هرمز
ميدانياً، تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز، حيث أفادت تقارير بأن الإدارة الأميركية تدرس خطة للسيطرة على جزء من المضيق بهدف إعادة فتحه أمام الملاحة، وهي خطوة قد تشمل نشر قوات برية إلى جانب التحركات البحرية، ما يعكس احتمال توسع نطاق المواجهة.
وفي السياق ذاته، كشفت مصادر عن إعداد القيادة المركزية الأميركية خطة لتنفيذ ضربات سريعة ومكثفة تستهدف بنية تحتية داخل إيران، في محاولة لكسر حالة الجمود في المفاوضات.
كما أشارت تقارير إلى طلب “سنتكوم” نشر صواريخ فرط صوتية في الشرق الأوسط، تحسباً لأي مواجهة محتملة، وهو ما يعكس تصعيداً نوعياً في الخيارات العسكرية المطروحة.
ارتفاع أسعار النفط بشكل ملحوظ
اقتصادياً، بدأت تداعيات التوتر تنعكس على الأسواق العالمية، حيث ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ، مع تسجيل خام برنت قفزة بنحو 3 دولارات ليصل إلى 121.64 دولاراً للبرميل، وسط مخاوف متزايدة من اندلاع مواجهة عسكرية قد تعطل إمدادات الطاقة.
في المحصلة، تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى “هدنة اختبار” منها إلى اتفاق مستدام، في ظل غياب الثقة وتضارب الأهداف بين الطرفين.
وبينما تتواصل الجهود الدبلوماسية خلف الكواليس، تبقى احتمالات الانفجار قائمة، ما يضع المنطقة أمام مفترق طرق حاسم قد يحدد شكل المرحلة المقبلة، سواء باتجاه التصعيد الشامل أو العودة إلى طاولة التفاوض بشروط جديدة.