هل يبدأ الحل من النهاية؟

shutterstock

shutterstock

في إحدى جولات التفاوض بين الوفد الفلسطيني ومسؤولين إسرائيليين، طُرح اقتراح بدا في حينه بسيطًا من حيث الشكل، لكنه عميق من حيث الدلالة. الفكرة كانت أن يتم الاتفاق أولًا على الحدود بين إسرائيل والدولة الفلسطينية المستقبلية، وأن تُترك القضايا الأخرى إلى مراحل لاحقة. لم يكن الاقتراح محاولة للالتفاف على الملفات الكبرى، بل على العكس تمامًا؛ فقد انطلق من قناعة بأن رسم الحدود سيحسم تلقائيًا كثيرًا من القضايا الشائكة.



فإذا عُرفت الحدود، يصبح بالإمكان تحديد أي المستوطنات ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية وأيها سيتم تفكيكه. وإذا حُسمت الجغرافيا، يصبح النقاش حول المياه والموارد الطبيعية والترتيبات الأمنية أكثر وضوحًا.


وحتى في قضية اللاجئين، التي تُعتبر من أعقد ملفات الصراع، كان هناك من يعتقد أن رؤية الدولة الفلسطينية تتحقق على الأرض قد تدفع كثيرين إلى إعادة النظر في تصوراتهم حول العودة، بحيث يصبح الانتماء إلى الدولة الفلسطينية الوليدة جزءًا من معادلة الحل.


فاللاجئ الذي يرى دولة فلسطينية قائمة وحدودًا معترفًا بها قد ينظر إلى مستقبله بطريقة مختلفة عن تلك التي ينظر بها إلى واقع مفتوح على المجهول.



التفاوض على ترتيب الحلول لا على الحلول فقط



لكن هذا المنطق لم يجد آذانًا صاغية لدى الجانب الإسرائيلي لم يكن الاعتراض تقنيًا بقدر ما كان سياسيًا، فالاتفاق على الحدود يعني عمليًا الاقتراب من لحظة الحسم التاريخي المتعلقة بقيام الدولة الفلسطينية، وهي لحظة لم يكن كثيرون في إسرائيل مستعدين للوصول إليها. لذلك لم يكن الخلاف على ترتيب الملفات فحسب، بل على ما يمكن أن يترتب على هذا الترتيب من نتائج سياسية بعيدة المدى.



لا يتعلق الأمر هنا بإحياء النقاش حول فرص التسوية السياسية أو إمكانيات تحقيقها في الظروف الراهنة، بل بالتوقف عند منهجية التفاوض نفسها. فالمفاوضات ليست فقط صراعًا على المواقف، بل هي أيضًا صراع على ترتيب الأولويات. أحيانًا لا يكون الخلاف على الهدف النهائي، وإنما على الطريق المؤدي إليه. وفي كثير من الأحيان، يختار كل طرف الملف الذي يمنحه أفضلية سياسية أو تفاوضية، بينما يحاول الطرف الآخر البدء من النقطة التي يعتقد أنها ستقوده إلى الهدف بأقل الخسائر.


من مفاوضات الدولة الفلسطينية إلى مفاوضات القائمة المشتركة


وهذا يقودنا إلى الساحة السياسية الحزبية العربية وتحديدًا إلى المفاوضات الجارية حول إعادة تشكيل القائمة المشتركة. فمنذ بداية النقاش، انطلقت الأحزاب المختلفة، وكذلك لجنة الوفاق واللجنة السباعية من المقاربة التقليدية المعروفة: البحث أولًا في القواسم السياسية المشتركة، ومناقشة تعريفات الشراكة والتعددية والتقنية والتوصية ونزع الثقة في أي حكومة قادمة ثم الانتقال إلى القضايا التنظيمية المتعلقة بترتيب المرشحين وتوزيع المقاعد ورئاسة القائمة.




لا شك أن هذه الملفات جوهرية، وأن أي إطار سياسي مشترك يحتاج إلى أرضية فكرية وسياسية متينة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:

ماذا لو جرى التعامل مع المسألة بشكل معاكس؟


ماذا لو بدأ التفاوض من النقطة التي لم يصلوا اليها اصلا (على ذمة الأحزاب) ماذا لو طُرحت منذ البداية قضية رئاسة القائمة المشتركة، وآلية توزيع المقاعد، وترتيب المواقع، وتم التوصل إلى تفاهمات أولية بشأنها؟ ماذا لو أُعلن ذلك رسميًا، أو حتى عبر التسريبات السياسية المعتادة، وربما عُرضت الصيغة المقترحة على استطلاعات رأي مهنية تقيس نبض الشارع العربي؟


قد يبدو هذا الطرح للوهلة الأولى ساذجًا أو تبسيطيًا، وكأنه يختزل أزمة إعادة تشكيل القائمة المشتركة في مسألة المقاعد فقط. لكن إذا أردنا أن نكون صريحين مع أنفسنا ومع جمهورنا فعلينا أن نسأل: لو جرى حسم مسألة التمثيل وتأمين عدد المقاعد الذي تراه كل جهة ضروريًا لحماية مكانتها السياسية، ألم يكن من الأسهل الانتقال إلى بقية الملفات؟ ألم يكن من الممكن عندها التقدم نحو تفاهمات أوسع تتعلق بالبرنامج السياسي، وبطبيعة الشراكة، وبالعلاقة مع الجمهور العربي والمجتمع الإسرائيلي.


فحسم الإطار التنظيمي لا يلغي النقاش السياسي، لكنه قد يخلق الأرضية التي تسمح له بالتقدم. كما أنه يمنح الجمهور صورة واضحة حول شكل التحالف الممكن، بدلًا من إبقاء كل شيء معلقًا في منطقة رمادية لا يعرف فيها أحد إلى أين تتجه الأمور. وفي السياسة، كثيرًا ما تكون الصورة الواضحة نصف الطريق إلى الحل.



الوضوح أفضل من العناوين العامة


ومن زاوية أخرى، فإن البدء بمسألة المقاعد يحمل فائدة إضافية لا تقل أهمية. فإذا تفجرت الخلافات عند هذه النقطة وتعذر الوصول إلى تفاهمات، فلتظهر الحقيقة كما هي أمام لجنة الوفاق واللجنة السباعية وأمام الجمهور.


عندها سيتضح أن الأزمة ليست أزمة تعددية سياسية، ولا خلافاً حول التوصية أو القضايا التقنية والتنظيمية، وإنما خلاف على توزيع القوة والنفوذ وموازين التمثيل بين الأحزاب. لا عيب في ذلك، فكل تحالف سياسي في العالم يقوم في جزء منه على حسابات القوة. لكن الوضوح أفضل من الاختباء خلف عناوين عامة لا تفسر حقيقة التعثر ولا تساعد على معالجته.


المفارقة أن كثيرًا من المفاوضات تفشل لأنها تبدأ من النقطة التي تبدو منطقية، لا من النقطة التي تبدو مؤثرة. فالمنطق التقليدي يقول إن الاتفاق السياسي يجب أن يسبق الترتيبات التنظيمية. لكن التجربة السياسية تعلمنا أحيانًا أن الترتيبات التنظيمية نفسها قد تكون المدخل إلى الاتفاق السياسي، وأن حسم الخلافات الصلبة قد يفتح الباب أمام معالجة الخلافات الأكثر مرونة.


أزمة الاستطلاعات في المجتمع العربي


وهنا تبرز نقطة أخرى لا تقل دلالة عن كل ما سبق، وهي الغياب شبه الكامل لاستطلاعات رأي مهنية ومنتظمة تقيس اتجاهات الناخب العربي. فمن غير المعقول أن تبقى الأحزاب والجمهور ووسائل الإعلام أسرى استطلاعات متفرقة تنشرها وسائل إعلام إسرائيلية بين الحين والآخر.


صحيح أن المؤسسات الإعلامية العربية تعاني من محدودية الموارد والميزانيات، لكن الصحيح أيضًا أن الأحزاب نفسها او منظمات المجتمع المدني التي تهتم بواقع الانتخابات لا تبادر إلى سد هذا الفراغ. وهكذا يتحول النقاش حول موازين القوى إلى ساحة من التخمينات والانطباعات، بدلًا من أن يستند إلى معطيات وأرقام يمكن البناء عليها.


ومن حق الجمهور العربي أن يعرف. فإذا كنا نتعامل بجدية مع استطلاعات الرأي الإسرائيلية عندما تتحدث عن قوة معسكر غادي آيزنكوت أو نفتالي بينيت أو يائير لابيد، وعندما نتابع باهتمام حركة المقاعد بين الأحزاب الإسرائيلية أسبوعًا بعد أسبوع، فلماذا نتردد عندما يتعلق الأمر بالأحزاب العربية؟


ولماذا تصبح الاستطلاعات فجأة غير دقيقة وغير معبرة عندما تلامس بيتنا الداخلي؟ وإذا كانت هناك تحفظات مهنية على بعض الاستطلاعات، فالحل ليس تجاهلها، بل إنتاج بديل أكثر مهنية وانتظامًا وصدقية.



المقاعد تصنع القوة السياسية



في نهاية المطاف، قد لا تعجبنا هذه الحقيقة، لكنها تبقى حقيقة. السياسة البرلمانية تُقاس بالمقاعد، والكنيست يقوم على موازين القوة والتمثيل. شئنا أم أبينا، فإن عدد المقاعد هو الذي يحدد حجم التأثير والقدرة على الفعل السياسي. وهذا لا يعني التقليل من أهمية البرامج السياسية أو التعددية الفكرية أو النقاش حول التوصية على تشكيل الحكومة المقبلة، لكنه يعني الاعتراف بأن كل هذه القضايا تتحرك داخل إطار تحدده القوة الانتخابية أولًا.



لذلك ربما كان من الأجدى حسم هذه المسألة منذ البداية، ثم الانتقال إلى بقية القضايا المتعلقة بالتعددية والتوصيات والبرامج السياسية. قد يبدو ذلك وكأنه وضع العربة أمام الحصان، لكن ربما تكون بعض العربات بحاجة إلى أن تتحرك أولًا حتى نعرف أي حصان قادر فعلًا على جرها.



بين مفاوضات الدولة الفلسطينية ومفاوضات القائمة المشتركة مسافة شاسعة في الحجم والتأثير، لكن ثمة قاسمًا مشتركًا بينهما: أحيانًا لا تكون المشكلة في الحلول المطروحة، بل في ترتيب طرحها. وربما يكون أكبر درس يمكن استخلاصه من التجربتين أن السياسة ليست فقط فن الوصول إلى التسويات، بل أيضًا فن اختيار الباب الذي ندخل منه إليها. وفي أحيان كثيرة، قد يكون باب النهاية هو الطريق الأقصر إلى البداية.



يتم الاستخدام المواد وفقًا للمادة 27 أ من قانون حقوق التأليف والنشر 2007، وإن كنت تعتقد أنه تم انتهاك حقك، بصفتك مالكًا لهذه الحقوق في المواد التي تظهر على الموقع، فيمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي: info@ashams.com والطلب بالتوقف عن استخدام المواد، مع ذكر اسمك الكامل ورقم هاتفك وإرفاق تصوير للشاشة ورابط للصفحة ذات الصلة على موقع الشمس. وشكرًا!