حين يرتفع ثمن الديون: قراءة في أزمة السندات الحكومية العالمية
shutterstock
ثمة إشارة في أسواق المال لا تحتل عناوين الصحف عادةً، لكنها تقلق الاقتصاديين أكثر من أي بيان سياسي أو تصريح رئاسي: ارتفاع عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل في أكبر اقتصادات العالم. إشارة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها في جوهرها تقول شيئًا واحدًا: الأسواق لم تعد تثق بأن الحكومات قادرة على الوفاء بديونها بالشروط التي اعتادت عليها.
ما الذي تقوله الأرقام؟
السند الحكومي الأمريكي لثلاثين عامًا يتداول اليوم عند عوائد تقترب من خمسة بالمائة، وهو مستوى لم تشهد الأسواق له مثيلًا منذ الأزمة المالية العالمية في العام 2008. في اليابان - الدولة التي بنت نموذجها الاقتصادي على فائدة تكاد تكون صفرًا - ارتفع عائد السند لأربعين عاماً إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود، ما دفع وزير المالية إلى التحذير من "حالة طوارئ مالية" غير عادية في توصيفها. وفي بريطانيا، تخطى عائد السند الثلاثيني خمسة وربعًا بالمائة، أعلى مستوياته منذ عام 1998.
هذه الأرقام ليست مجرد بيانات تقنية لمتخصصي أسواق المال. إنها ترجمة لسؤال يطرحه المستثمرون الكبار حول العالم: هل يمكن الوثوق بأن هذه الحكومات ستسدد ما عليها بعد ثلاثين عامًا، وبأي ثمن؟
لماذا يرتفع العائد الآن؟
لفهم هذا الارتفاع، لا بد من فهم آلية عمل سوق السندات. حين تحتاج الحكومة إلى أموال، تُصدر سندات وتبيعها للمواطنين والحكومات الأجنبية والشركات مرفقة بالوعد بسداد أصل المبلغ مع فائدة دورية. كلما قلّت الثقة بقدرة الحكومة على السداد، انخفضت أسعار هذه السندات في السوق الثانوية، وارتفعت عوائدها تلقائيًا - لأن المستثمر يشتريها بسعر أقل مقابل نفس الدفعات الثابتة.
الارتفاع الراهن في العوائد ينبع من ثلاثة عوامل متشابكة. أولها حجم الديون المتراكمة: صندوق النقد الدولي يحذر من أن الديون السيادية العالمية ستتجاوز مائة تريليون دولار هذا العام، وهو رقم كان حتى وقت قريب في خانة الخيال العلمي. ثانيها التضخم الذي لم يُهزم كليًا، مما يجعل المستثمرين يطالبون بعوائد أعلى تعويضًا عن انخفاض القيمة الحقيقية لأموالهم مع مرور الوقت. وثالثها الضبابية الجيوسياسية - الحرب في أوكرانيا، والحرب الأمريكية على إيران والتوترات في هرمز، والتنافس الأمريكي الصيني - التي تجعل التخطيط لثلاثين عامًا مقامرة حقيقية.
معضلة التضارب
المشكلة الأعمق تكمن في تضارب الإشارات بين أجزاء النظام المالي. البنوك المركزية تخفض فائدتها القصيرة الأجل لتنشيط الاقتصاد وتخفيف أعباء الديون، لكن الأسواق ترفع عوائد السندات الطويلة لأنها تخشى التضخم المستقبلي والديون المتراكمة. النتيجة ما يسميه الاقتصاديون "انعكاس منحنى العوائد" - حين تكون الفائدة القصيرة أعلى من الطويلة، أو حين يتحرك الطرفان في اتجاهين متعاكسين.
وهذا الانعكاس ليس مجرد مصطلح أكاديمي. في التاريخ، سبق "منحنى العوائد المعكوس" الركودَ الاقتصادي خمس مرات من أصل ست منذ الخمسينيات. وحين تجد الحكومات أن تكلفة اقتراضها الطويل الأجل ترتفع بينما تحاول خفض الفائدة القصيرة، تجد نفسها في مأزق: تريد تحفيز الاقتصاد لكن الأسواق لا تصدّق أن هذا ممكن دون إشعال التضخم مجددًا.
اليابان: النموذج الأكثر هشاشة
من بين الاقتصادات الكبرى، تستحق اليابان وقفة خاصة. فهي تحمل نسبة دين عام إلى ناتج محلي تتجاوز مائتين وخمسين بالمائة - الأعلى بين الدول المتقدمة - وقد تمكنت من تحمّل هذا الحمل لعقود لأن الفائدة كانت قريبة من الصفر وأحيانًا سلبية. لكن مع ارتفاع العوائد، يجد بنك اليابان المركزي نفسه أمام معادلة مستحيلة: إذا ترك العوائد ترتفع، ارتفعت تكاليف خدمة الدين الحكومي إلى مستويات غير مستدامة. وإذا تدخّل لخفضها باستمرار عبر شراء السندات، يخاطر بإضعاف الين وإشعال التضخم. بعض الاقتصاديين يرون في السوق الياباني "النقطة الأكثر هشاشة في النظام المالي العالمي" اليوم - ليس لأن اليابان مفلسة، بل لأن أي اضطراب مفاجئ فيها سيرتد على أسواق السندات العالمية بقوة لا يمكن التنبؤ بحجمها.
من يدفع الثمن؟
حين ترتفع عوائد السندات، لا يتضرر المستثمرون الكبار فحسب - بل تتأثر الحياة اليومية لملايين الناس. معدلات الرهن العقاري ترتفع لأنها مرتبطة بعوائد السندات الطويلة. قروض الشركات الصغيرة تُصبح أعلى تكلفة. والحكومات التي تجد أن تكاليف اقتراضها ارتفعت تواجه خيارًا من ثلاثة: رفع الضرائب، أو تقليص الإنفاق على الخدمات العامة، أو المجازفة بفقدان ثقة الأسواق مما قد يؤدي إلى أزمة تمويلية.
وهذا الأخير هو السيناريو الذي رصدته وكالة موديز حين رفعت نبرة تحذيراتها للمرة الثالثة خلال عام بشأن استدامة الدين الأمريكي. التحذير لم يكن عن إفلاس وشيك، بل عن مسار تراكم الديون وتكاليف خدمتها التي تلتهم نسبة متصاعدة من الإيرادات الضريبية - ما يُضيّق هامش المناورة في أي أزمة مقبلة.
هل نحن أمام أزمة وشيكة؟
الإجابة الصريحة هي أنّ لا أحد يعرف. الأسواق يمكن أن تتحمل توترات لفترات أطول مما يتوقع المحللون، والبنوك المركزية تملك أدوات لم تُستخدم بأكملها بعد. لكن ما تقوله البيانات الراهنة هو أن هامش الأمان يضيق.
المشكلة الجوهرية هي أن كثيرًا من الحكومات راهنت في العقد الماضي على أن الفائدة المنخفضة ستبقى إلى الأبد، فتوسعت في الإنفاق والاقتراض. أما اليوم، وحين ترتفع الفائدة حتى بشكل معتدل، يتضح أن هذا الرهان كان باهظ الثمن.
الاقتصاد العالمي لا يقف على حافة الهاوية بعد. لكنه يسير قرب الحافة أكثر ويسبّب توترات كبيرة في الأسواق ولدى المستثمرين - وارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل هو الإشارة التي تقول ذلك بصوت الأسواق، لمن يُريد الإصغاء.
نشرة إخبارية خاصة مباشرة لبريدك الإلكتروني يوميا
استلم اشعارات وأخبار حصرية ومقالات مميزة من إذاعة الشمس