من حصان طروادة إلى أحصنة السيبرانية: تغيّرت الأدوات وثبتت الفكرة
هل فعلاً تغير العدو؟ أم تغيّر شكله فقط؟
هل فعلاً تغير العدو؟ أم تغيّر شكله فقط؟
في زمن تُقدَّم فيه التكنولوجيا بوصفها ذروة الإنجاز البشري، تغيب عن الأذهان حقيقة مزعجة: أن الكثير من "الابتكارات" المعاصرة ما هي إلا تحديث ذكي لخدع قديمة. تتغير الوسائل، لكن تظل الفكرة ذاتها: اختراق الخصم دون أن يشعر، عبر التسلل إلى داخله، لا عبر مهاجمته من الخارج. الخداع المقنّع، الذي سقطت به طروادة، يعود اليوم في هيئة رموز، وتطبيقات، وخطابات، ومنشورات.
تعود بنا الأسطورة الإغريقية إلى مدينة طروادة المحصّنة، التي استعصت على جيوش الإغريق لعشر سنوات متواصلة من الحصار. كل محاولات الاقتحام فشلت، حتى جاء أوديسيوس بحيلة عبقرية: تمثال خشبي ضخم على هيئة حصان، مجوّف من الداخل ليُخفي نخبة من الجنود، بينما يوهم الجيش الإغريقي خصمه بالانسحاب الكامل.

shutterstock
تَسلَّم الطرواديون الحصان باعتباره هدية سلام، بل انتصارًا. أدخلوه إلى قلب المدينة، أقاموا الاحتفالات، وناموا في سُكر الغرور. وفي جنح الظلام، خرج الجنود من جوف الحصان، وفتحوا الأبواب لبقية الجيش المختبئ في الغابة. سقطت طروادة، لا بالسيوف، بل بالخداع.
الأسطورة لم تمت. فقط استبدلت الأخشاب بالكود، والسيوف بالخوارزميات.
? ALERT: Your AI chatbot may be a Trojan horse! Microsoft expert warns: use trusted AI tools only, beware of fake info, verify sources, question everything. Stay sharp or pay the price! #AI #Cybersecurity pic.twitter.com/uPkoMu06mp
— De Rooy AI Solutions (@AI_unfilteredX) May 6, 2025
اليوم، بات اسم "Trojan Horse" مصطلحًا تقنيًا متداولًا في عالم الأمن السيبراني. هو برنامج خبيث يُقدَّم في هيئة شرعية - تطبيق مجاني، رابط جذاب، ملف PDF أو حتى لعبة - لكنه يفتح الباب للمهاجمين. ليس هذا فحسب، بل يُمكنه أن يفتح "أبوابًا خلفية" في النظام، يراقب، ويُسجّل، وينسخ، ويقود إلى تدمير كامل دون إطلاق رصاصة واحدة.
إنها الحرب الصامتة، والأخطر أنها لا تُخاض على جبهات مكشوفة، بل داخل كل جهاز، وفي كل بيت، وأحيانًا، في كل عقل.
المجتمع العربي: الساحة المفتوحة للاختراق السيبراني والثقافي
الإجابة تكمن في هشاشة الداخل، لا براعة الخارج فقط. في معظم المجتمعات العربية، تتفكك منظومات الحصانة الاجتماعية والمعرفية: ضعف الثقافة الرقمية، وهشاشة التعليم، وانعدام الثقة، وتسييس الهوية. كل ذلك يجعل اختراق الوعي العام أمرًا سهلًا، بل متوقّعًا.
في الداخل العربي الفلسطيني (عرب 48)، يظهر وجه آخر من الحصان، أكثر قسوة وألمًا. الجريمة والعنف في البلدات العربية لم تنشأ من فراغ، بل تُدار في كثير من الأحيان كأداة تفكيك منظم. حين تُغضّ الدولة الطرف عن انتشار السلاح، وتُترك شبكات الإجرام لتنهش في جسد المجتمع، تكون النتيجة تآكلًا في الثقة الداخلية، وانشغالًا بمعارك يومية تستنزف الطاقات وتُشتت الأولويات.
إن "حصان طروادة" هنا ليس تطبيقًا إلكترونيًا، بل بنية اجتماعية مفخخة: مدارس ضعيفة، وشرطة غائبة، وإعلام تافه، وسلاح منتشر. والنتيجة: يُفتح الباب لتسلل التطبيع السياسي، والتخلي عن المشروع الوطني، دون أن يشعر أحد.
في المشهد السوري، تجسّدت الحيلة بشكل دموي. الطائفية، التي تم تسويقها بخطاب ديني وإعلامي مؤدلج، دخلت كسردية "حماية الأقليات" أو "مظلومية الأكثرية". فبدأ الانقسام، لا على أساس برامج، بل على أسس هوية. تفككت سورية إلى كانتونات مذهبية، كلٌّ منها بات يرتبط بقوة إقليمية.
هنا لم يكن الحصان خشبيًا ولا رقميًا، بل خطابًا وجد بيئة خصبة بسبب الغياب الكامل لمشروع وطني موحِّد، وانهيار الثقة بين مكوّنات الشعب.
في القرن الحادي والعشرين، لم تعد السيطرة تتطلب جنودًا أو طائرات. منصّة واحدة، ومؤثر واحد، وحملة مموّلة كفيلة بتغيير اتجاهات جمهور بأكمله.
الخوارزميات تُحدّد من ترى، وماذا تقرأ، وبماذا تشعر. يتم إعادة استهدافك بناءً على مزاجك، وميولك، وحتى لحظات ضعفك. وهذا هو الاختراق الأكثر خطورة: أن تتحوّل من مقاوم إلى متلقٍّ دون أن تشعر.
بناء المناعة الرقمية والثقافية: الحل الوحيد لمواجهة الاختراق
الأمن القومي لا يُبنى بجدار، بل بوعي.
مطلوب إعادة تعريف لمفاهيم الأمن لتشمل:
السؤال الأهم: كم من حصان طروادة نُدخل إلى عقولنا يوميًا؟
في كل مرة نشارك فيها منشورًا عنيفًا أو طائفيًا، أو نحمّل تطبيقًا دون مراجعة، أو نتبنى رأيًا مُعادٍ لذاتنا الجمعية، فإننا - دون وعي - نعيد تمثيل مشهد طروادة، نلعب نحن فيه دور أهل طروادة الذين ناموا سكارى بنشوة الانتصار الزائف.
المخترِق لا يحتاج إلى قوة ساحقة؛ يحتاج فقط إلى قابليتنا للسقوط.
يتم استخدام المواد المنشورة على موقع الشمس وفقًا لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق التأليف والنشر لعام 2007.
في حال كنت تعتقد أن استخدام أي مادة منشورة على الموقع ينتهك حقوقك بصفتك صاحب حقوق الطبع والنشر، يمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: info@ashams.com، وطلب وقف استخدام المادة.
يرجى عند التواصل تزويدنا بالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وإرفاق صورة عن الشاشة (Screenshot) ورابط الصفحة ذات الصلة على موقع الشمس.
شكرًا لتعاونكم.
محليات مجد الكروم تحذر من استفزازات وتحريض وتعلن التوجه للشرطة
اقتصاد سهم ألكترا العقارية يهبط 75% خلال أربعة أشهر
رياضة العراق تنتزع رسمياً حق استضافة "خليجي 28" وبطولة المنتخبات الأولمبية 2027
فلسطيني محمد الدرة.. قصة طفل تحولت صورته إلى واحدة من أشهر أيقونات الانتفاضة الثانية
رياضة تقارير: الاتحاد الأيرلندي يفتح تحقيقاً في مزاعم إساءة عنصرية بحق آدم أيداه
رياضة تعثر جديد للفدائي الصغير.. ناشئو فلسطين يتلقون خسارة ثانية أمام لبنان في بطولة غرب آسيا
إعدادات إمكانية الوصول