"آآآه"… حين يصبح الوجع شعارًا من سخنين إلى قلب تل أبيب: اختبار المواطَنة والضمير

تصوير الشمس

تصوير الشمس

عادةً، حين يُذكر تنظيم المظاهرات والمسيرات، يتقدّم المشهدُ العام بما هو متوقَّع: أعداد من المشاركين، شعارات وهتافات، كلمات من على المنصّة، منظّمون، شرطة مرور، ووحدات خاصة - بدافع القمع أو بذريعة "الحفاظ على النظام العام". مشهد مألوف، يكاد يُعاد إنتاجه في كل مرة.


غير أنّ خلف هذه الصورة الظاهرة، تختبئ طبقات كاملة من التفاصيل التنظيمية والسياسية. وسرعان ما ينزلق النقاش إلى أسئلة الهوية: من يشارك؟ من يتحدث؟ ما مضمون الشعارات؟ هل هي وحدوية؟ وهل يُسمح لكل مجموعة أن تختار لغتها ورمزها؟


هذا النقاش ليس جديدًا. لكنه في السنوات الأخيرة لم يعد نقاشًا صحيًا، بل تحوّل إلى أداة إقصاء. الشعار لم يعد مجرد تعبير، والعَلَم لم يعد رمزًا وجدانيًا، بل أصبحا مادة للتحقيق والتحريض، وذريعة لقمع أي فعل احتجاجي قبل أن يكتمل.


في هذا السياق، تبرز الاحتجاجات التي انطلقت من سخنين وتوسّعت خلال الأسبوعين الأخيرين. احتجاجات لا تحتاج إلى فائض تفسير ولا إلى بيانات تفسيرية مطوّلة. ما يخرج من الحناجر واضح، مباشر، غير ملتبس. ليس تمرينًا لغويًا ولا مناورة سياسية، بل صرخة حياة.


ومن هنا، لا يمكن فصل هذا المسار عن التظاهرة المرتقبة للجمهور العربي في تل أبيب. هذه ليست فعالية عابرة ولا حدثًا هامشيًا. إنها اختبار مواطَنة. اختبار للمجتمع العربي أولًا، لكنه لا يقل أهمية كمحكّ للمجتمع الإسرائيلي كله.


الخروج إلى قلب تل أبيب، إلى مركز الدولة ورمزها، لا يحمل شعارًا أيديولوجيًا معقّدًا، ولا بيانًا حزبيًا، بل مطلبًا بسيطًا يكاد يكون بديهيًا: نريد أن نعيش.

لا تنظير سياسي، ولا استعراض قوى. مطلب إنساني أساسي: الأمن الشخصي، الحق في العودة إلى البيت، الحق في الحياة.


لا أوهام لدى المنظّمين ولا لدى المتظاهرين. لا أحد يتوقّع أن تستيقظ حكومة صمّاء فجأة، ولا أن تتحوّل هذه الصرخة إلى نقاش جدي في جلسة حكومية قريبة. بل هناك خشية حقيقية من محاولة افتعال مواجهة، أو استغلال المشهد للتحريض، أو تحويله إلى مادة استهلاك إعلامي. ومع ذلك، وربما بسبب ذلك تحديدًا، لهذه اللحظة معنى خاص.



انضمام جمهور يهودي - إسرائيلي إلى احتجاج مدني صرف، غير مؤطر برايات حزبية، يمكن أن يشكّل رسالة نادرة من العقلانية. بعد سنوات من الاستقطاب، ومن خطاب إقصائي بات مشروعًا، هناك حاجة ملحّة إلى لحظة يقف فيها المواطنون معًا دفاعًا عن حق أساسي: الحق في حياة آمنة.


هذه التظاهرة لن تمنع جريمة القتل القادمة. من المهم قول ذلك بوضوح. ولن تغيّر بين ليلة وضحاها سلّم أولويات الحكومة. لكنها قد تعالج جراحًا أخرى لا تقل عمقًا: شعور التخلّي، والعزلة، والفصل المصطنع بين "قضية العرب" و"مشكلتهم".


هذا ليس نضال فئة واحدة


الأمن الشخصي ليس شأنًا قطاعيًا..جودة الحياة في سخنين ومجد الكروم مصلحة مباشرة لكرميئيل، ما يحدث في الطيرة وكفر قاسم ينعكس على كفار سابا، وما يغلي في رهط سيصل أيضًا إلى بئر السبع.

الجريمة، والابتزاز، وسفك الدماء، كلها أمور لا تعترف بحدود بلدية ولا بهويات إثنية.


من هنا، تبرز أهمية انخراط النقابات المهنية والهيئات المدنية: نقابة المحامين، ونقابة الأطباء، ومؤسسات التعليم والرفاه. لا كتضامن رمزي، بل كموقف مدني واضح: هذا صراع على نوعية الحياة للجميع.

قد لا يكلّف رئيس الحكومة نفسه حتى جملة واحدة. وقد يستغل وزير الأمن القومي المنصة لخطاب فارغ آخر. لكن وزن هذه اللحظة يزداد مع اقتراب انتخابات، وسط توقّعات بحملة تحريضية قاسية. تحديدًا الآن، هناك حاجة إلى بديل: مشهد مدني عاقل، حتى لمن يعيشون أصلًا على حافة اليأس.


هذه تظاهرة تقع في قلب الإجماع، محاربة انعدام الأمن، والجريمة، والابتزاز، وسفك الدماء ليست يمينًا ولا يسارًا.

الراية سوداء، الشعار "نريد أن نعيش"، ولا أيديولوجيا فيهما… فيهما حياة.


وسيستمر من يسأل المجتمع العربي: أين كنتم؟ ولماذا لم تشاركوا هناك؟


لكن كثيرين ابتعدوا - وأُبعدوا - لأنهم يطالبون بمواطَنة متساوية، وبنضال يمس جوهر الدولة وقوانينها التي استهدفت المواطنين العرب واحدًا تلو الآخر دون كوابح حقيقية. وسيأتي أيضًا وقت الحديث عن الحرب، وعن المسّ بالمدنيين من كل الأطراف، وعن مظالم الاحتلال. فكل ذلك مترابط.


في النهاية، ليس هذا صراع رموز، بل صراع حقوق فعلية.

ليس "نمورًا من ورق"، بل بشر يريدون حماية حقيقية.

ودور الأغلبية، في أي مجتمع سليم، هو الاحتواء لا الإقصاء، لا أن تملي على الأقلية ترتيب آلامها وأولويات نضالها.


هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة المشهدَ الأيقوني الأخير في فيلم "النوم في العسل" للفنان الكبير عادل إمام، من كتابة الراحل وحيد حامد.

حين بلغ الضعف والوهن ذروته - شعبيًا ورسميًا - خرجت المظاهرة من الشارع إلى مبنى البرلمان. لا لافتات، لا خطب، لا بيانات. كانت هناك صرخة واحدة فقط:

"آه".

صرخة صادقة، خارجة من القلب، لا قانون يجرّم "آه"، ولا شرطي يقمع "آه"، ولا قاضٍ يحاكم على "آه"، إنها أبسط أشكال الاحتجاج… وأكثرها فتكًا.

سلاحٌ لا يُصادَر، يخترق الجدران، يتجاوز اللغة، ويصل مباشرة إلى الضمير - إن بقي للضمير مكان لهذا، شعارنا اليوم ليس بيانًا ولا لافتة.

شعارنا هو "آه".

"آه" حتى تصل الرسالة.

"آه" لأن الوجع أصدق من أي خطاب.

و"آه" لأن ما تعجز الكلمات عن قوله… تقوله الصرخة.

يتم الاستخدام المواد وفقًا للمادة 27 أ من قانون حقوق التأليف والنشر 2007، وإن كنت تعتقد أنه تم انتهاك حقك، بصفتك مالكًا لهذه الحقوق في المواد التي تظهر على الموقع، فيمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي: info@ashams.com والطلب بالتوقف عن استخدام المواد، مع ذكر اسمك الكامل ورقم هاتفك وإرفاق تصوير للشاشة ورابط للصفحة ذات الصلة على موقع الشمس. وشكرًا!

phone Icon

احصل على تطبيق اذاعة الشمس وكن على
إطلاع دائم بالأخبار أولاً بأول

Download on the App Store Get it on Google Play