يستعد الكنيست للتصويت على ميزانية الدولة لعام 2026، في جلسة حاسمة تُعقد الليلة، والتي تبلغ قيمتها نحو 850 مليار شيكل، تأتي هذه الخطوة في ظل استمرار الحرب على إيران ودخولها شهرها الثاني، ما انعكس بشكل مباشر على أولويات الإنفاق الحكومي، حيث ارتفعت مخصصات الأمن بشكل كبير مقابل تقليصات في الخدمات المدنية، إلى جانب زيادات لافتة في ميزانيات الأحزاب والوزارات ذات الطابع القطاعي.
قفزة في الإنفاق الأمني
تشير المعطيات إلى أن 21% من الميزانية ستُخصص للأمن، فيما ستذهب 24% لخدمة الدين العام، ليبقى نحو 55% فقط لتمويل الخدمات المدنية، وهذا التحول يعكس توجه الحكومة نحو تعزيز القدرات العسكرية والأمنية على حساب قطاعات أساسية مثل التعليم والصحة والعمل والمواصلات.
مكاسب كبيرة للأحزاب الحريدية
شهدت ميزانية 2026 قفزة غير مسبوقة في مخصصات الأحزاب الحريدية، بعد أن لوّحت هذه الأحزاب برفض دعم الميزانية ما لم يُقر قانون الإعفاء من التجنيد، وفقد حصلت شبكات التعليم التابعة لها على زيادات ضخمة؛ إذ ارتفعت ميزانية شبكة التعليم المستقل التابعة لـ"يهدوت هتوراه" بنحو 460 مليون شيكل أي بنسبة 22% لتتجاوز حاجز 2.1 مليار شيكل، فيما نالت شبكة "معيان هخيتوح هتوراني" التابعة لـ"شاس" زيادة قدرها 370 مليون شيكل بنسبة 30% لتصل إلى 1.2 مليار شيكل.
وهذه القفزات المالية جاءت في وقت لم تتجاوز فيه زيادة تمويل التعليم الحكومي 8% فقط، الأمر الذي أثار موجة واسعة من الانتقادات داخل أوساط المعارضة وخبراء الاقتصاد، الذين اعتبروا أن الحكومة تُهمّش التعليم الرسمي لصالح شبكات تعليمية لا تدرّس المواد الأساسية، ما يهدد بتعميق الفجوات الاجتماعية والاقتصادية على المدى الطويل.
وزارات قطاعية تتوسع
تضمنت ميزانية عام 2026 زيادات ملحوظة لعدد من الوزارات التي وُصفت في تقارير سابقة بأنها "غير ضرورية"، ما أثار جدلًا واسعًا حول أولويات الحكومة في ظل الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
فقد حصلت وزارة الاستيطان التي تقودها أوريت ستروك على زيادة قدرها 190 مليون شيكل بنسبة 33%، فيما نالت وزارات أخرى مثل وزارة التراث، وزارة الشتات، ووزارة القدس والتراث اليهودي زيادات كبيرة في مخصصاتها.
وهذه التوجهات اعتبرها معارضون وخبراء الاقتصاد دليلاً على أن الحكومة تواصل توجيه الموارد نحو قطاعات ذات طابع سياسي أو رمزي، بدلًا من الاستثمار في الخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطنين اليومية.
طالع أيضًا: الكنيست تصادق على ميزانية 2026.. 699 مليار شيكل وتوقعات بارتفاع الإنفاق الأمني
تقليصات في الخدمات المدنية
شملت ميزانية عام 2026 سلسلة من التقليصات التي أثارت جدلًا واسعًا ومخاوف من انعكاساتها على الفئات المهمشة والقطاعات الحيوية. فقد تم خفض بنسبة 30% في مخصصات تشجيع تشغيل الفئات المستهدفة، خاصة الحريديين والعرب، إلى جانب تقليص بنسبة 16% في دعم القطاع التجاري، وخفض بنسبة 15% في ميزانية الهيئة المسؤولة عن تطوير الاقتصاد لدى الأقليات، والتي تُعنى بدعم المجتمع العربي اقتصاديًا.
كما جرى تقليص يزيد عن 400 مليون شيكل في تمويل بناء صفوف دراسية جديدة، رغم الاكتظاظ الكبير الذي تعاني منه المدارس، وهذه الإجراءات أثارت مخاوف جدية من تراجع فرص الاندماج الاقتصادي والاجتماعي للفئات الضعيفة، ومن تفاقم الأزمات في التعليم والخدمات الأساسية، وهو ما اعتبره خبراء الاقتصاد مؤشرًا على اختلال أولويات الحكومة في توزيع الموارد.
انتقادات من المعارضة والباحثين
عضو الكنيست فلاديمير بلياك اعتبر أن الميزانية "توسع وتعزز سياسة تجفيف جهاز التعليم الرسمي لصالح تمويل مفرط لشبكات التعليم الحريدية التي لا تُدرّس المواضيع الأساسية"، مضيفًا أن الحكومة "تواصل تمويل المتهربين من الخدمة العسكرية، ما يمنع اندماجهم في الجيش أو سوق العمل، في خطوة تمثل إهمالًا ماليًا يمس بمستقبل الاقتصاد".
ومن جانبه، الباحث ميكي بلد قال للقناة 12 الإسرائيلية إن "الحكومة تعتمد أولويات مشوهة توزع الموارد وفق اعتبارات ولاء سياسي وقطاعي، بدل الاستثمار في معالجة غلاء المعيشة والتعليم والصحة والحماية"، معتبرًا أن تخصيص 20 مليار شيكل كأموال ائتلافية يعزز التهرب من الخدمة والعمل بدل معالجته.
مساران متوازيان للإنفاق
تكشف المعطيات أن الحكومة خلال السنوات الأخيرة اعتمدت سياسة مالية تقوم على مسارين متوازيين، الأول يتمثل في تخصيص أكثر من 20 مليار شيكل كأموال ائتلافية ذات طابع قطاعي منذ عام 2023، وهو ما اعتبره خبراء الاقتصاد توجيهًا للموارد وفق اعتبارات سياسية أكثر من كونه استثمارًا في الخدمات العامة.
أما المسار الثاني فيتمثل في تقليصات عرضية بقيمة نحو 12 مليار شيكل طالت قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم والعمل والرفاه والمواصلات، وذلك بهدف تمويل الزيادة الكبيرة في الإنفاق الأمني دون المساس بالالتزامات السياسية تجاه الأحزاب المشاركة في الائتلاف، هذا النهج أثار جدلًا واسعًا حول مدى قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن من جهة، وضمان استمرار الخدمات الحيوية للمواطنين من جهة أخرى.
وميزانية 2026 تعكس بوضوح أولويات الحكومة في ظل التحديات الأمنية والسياسية، لكنها تثير في الوقت ذاته جدلًا واسعًا حول مستقبل الخدمات المدنية والعدالة الاجتماعية.
وبينما ترى الحكومة أن تعزيز الأمن ضرورة قصوى، يحذر خبراء ومعارضون من أن هذه السياسات قد تُعمّق الفجوات الاقتصادية والاجتماعية وتضعف قدرة الدولة على مواجهة أزمات الداخل.