كشفت نتائج اختبار "تنوفا" في اللغة الأم، الذي أُجري خلال العام الدراسي 2025، عن فجوات مقلقة في مستوى التحصيل لدى طلاب الصف التاسع، خاصة في المجتمع العربي.
ووفق المعطيات، فإن 38% فقط من مجمل الطلاب يستوفون متطلبات المنهاج، بينما يحقق الباقون مستويات جزئية متفاوتة.
أما في المدارس الناطقة بالعربية، فلا تتجاوز نسبة الطلاب الذين يستوفون المتطلبات 19%، مقارنة بـ44% في المدارس الناطقة بالعبرية، مع فارق يصل إلى 32 نقطة في متوسط التحصيل.
أرقام صادمة
ويبرز التفاوت بشكل أكبر داخل المجتمع العربي نفسه، حيث سجل طلاب المجتمع البدوي في الجنوب نتائج هي الأدنى، إذ إن 6% فقط منهم يستوفون المتطلبات، مع فجوة تصل إلى 49 نقطة عن المعدل العام.
وشارك في الاختبار الذي أُجري في فبراير 2025 نحو 30,690 طالبًا من 322 مؤسسة تعليمية، بنسبة مشاركة بلغت 82%. ويُعد هذا أول اختبار من نوعه في اللغة الأم منذ العام الدراسي 2018/2019، ما يعني أن النتائج تعكس صورة راهنة دون إمكانية المقارنة مع سنوات سابقة.
كما أظهرت البيانات أن الفجوة بين الطلاب العرب واليهود تتقلص عند الأخذ بعين الاعتبار الخلفية الاجتماعية الاقتصادية، حيث تنخفض إلى 19 نقطة لدى الفئات الضعيفة و10 نقاط لدى الفئات المتوسطة، ما يشير إلى تأثير مباشر للعوامل الاجتماعية على التحصيل.
كذلك بيّنت النتائج تفوق الطالبات على الطلاب، بفارق 22 نقطة في المجتمع العربي و14 نقطة في المجتمع العبري، فيما أفاد نحو 47% من الطلاب بأن لديهم دافعية عالية للتعلم.
أسباب الأزمة
وفي مداخلة هاتفية ضمن برنامج "أول خبر" على إذاعة الشمس، أكدت د. راوية بربارة، المفتشة المركزة للغة والأدب العربي للمدارس فوق الابتدائية، أن هذه النتائج يجب قراءتها في سياق أوسع يتجاوز المدرسة، مشيرة إلى أن:
"الطلاب الذين خضعوا للاختبار عاشوا سنوات تعليمية غير مستقرة، حيث قضوا معظم مراحلهم بين الصف الرابع والثامن في التعلم عن بعد بسبب جائحة كورونا والحروب، ولم يعيشوا التعليم الوجاهي بشكل كامل إلا في الصف الثامن".
وأضافت أن نحو 80% من فترة تعلمهم كانت عبر "الزوم"، ما أثر بشكل مباشر على اكتساب المهارات اللغوية الأساسية.
فجوات بين المجتمعات
وشددت بربارة على أن القضية ليست مجرد "ضعف في اللغة"، بل ترتبط بفجوات اجتماعية واقتصادية عميقة، لافتة إلى أن نسبة الطلاب في المستوى المتدني جدًا تصل إلى 66% في المجتمع البدوي و33% في المجتمع العربي عمومًا، مقارنة بـ20% في المجتمع اليهودي.
وأوضحت أن إتقان اللغة المطلوبة في الاختبار لا يقتصر على القراءة البسيطة، بل يشمل مهارات متقدمة مثل تحليل النصوص، واستخلاص المعلومات، وفهم العلاقات المنطقية، وتنظيم الأفكار، وهي مهارات تتطلب تدريبًا طويل الأمد.
لماذا اللغة العربية مهمة؟
وأكدت أن "اللغة الأم هي أساس التفكير"، وأن الطالب الذي لا يتقن لغته يواجه صعوبات في التعبير والفهم في باقي المجالات، محذرة من تراجع مكانة اللغة العربية في الحياة اليومية لصالح لغات أخرى، خاصة العبرية والإنجليزية.
كما أشارت إلى تأثير البيئة المحيطة، بما في ذلك الاستخدام المكثف للهواتف الذكية والمحتوى غير المعياري لغويًا، إضافة إلى ظاهرة الازدواجية اللغوية بين العامية والفصحى، والتعدد اللغوي الذي يعيشه الطالب بين العربية والعبرية.
كيف نتعامل مع الأزمة؟
ودعت بربارة إلى التعامل مع الأزمة بشكل جذري، من خلال تعزيز مكانة اللغة العربية في البيت والمدرسة، وتطوير أدوات تعليمية حديثة، خاصة التطبيقات والألعاب اللغوية، التي تساعد الطلاب على اكتساب اللغة بشكل تفاعلي.
كما شددت على ضرورة الاستثمار في المراحل المبكرة، حيث يبدأ بناء المهارات اللغوية منذ الصفوف الأولى، مؤكدة أن "الأساسات القوية في اللغة هي التي تحدد مستوى الطالب العلمي في المستقبل"، وأن معالجة الفجوات الحالية تتطلب رؤية شاملة تتكامل فيها الجهود التربوية والاجتماعية.