أزمة مصرفية.. قرار بنكين إسرائيليين يهدد النظام المالي الفلسطيني ويضاعف الضغوط الاقتصادية

توضيحية-shutterstock

توضيحية-shutterstock

يواجه الاقتصاد الفلسطيني تحديًا ماليًا جديدًا قد تكون تداعياته من بين الأخطر خلال السنوات الأخيرة، بعدما أبلغ مصرفا هبوعليم وديسكونت الإسرائيليان عددًا من البنوك الفلسطينية بنيتهما وقف خدمات المراسلة المصرفية خلال الأسابيع المقبلة، في خطوة من شأنها تعطيل جزء كبير من حركة التحويلات المالية والتجارة بالشيكل، وتهديد استقرار النظام المصرفي الفلسطيني في ظل الأزمة المالية التي تعانيها السلطة الفلسطينية.


وبحسب ما نقلته وكالة فرانس برس، عن مسؤولين في وزارة المالية الإسرائيلية والقطاع المصرفي الفلسطيني، فإن خمسة بنوك فلسطينية تعتمد على خدمات بنك "هبوعليم" ستفقد هذه الخدمات اعتبارًا من 13 أغسطس/آب المقبل، فيما سيتوقف بنك "ديسكونت" عن تقديم خدماته للمصارف الفلسطينية ابتداءً من الأول من سبتمبر/أيلول.


وتشكل علاقات المراسلة بين البنوك الإسرائيلية والفلسطينية العمود الفقري للنظام المالي بين الجانبين، إذ تتيح تنفيذ المدفوعات والتحويلات بالشيكل، العملة الأكثر استخدامًا في الضفة الغربية، كما تضمن تسوية المعاملات التجارية وتمويل الواردات الأساسية.


وتشمل هذه العمليات سداد أثمان الكهرباء والمياه والوقود والمواد الغذائية والإمدادات الطبية المستوردة من إسرائيل، إضافة إلى تحويل أجور العمال الفلسطينيين العاملين داخل إسرائيل، وتسوية المدفوعات بين الشركات والموردين، ما يجعل استمرار هذه العلاقات ضرورة حيوية لاستمرار النشاط الاقتصادي اليومي.


مبررات إسرائيلية ومخاوف قانونية


وأكدت وزارة المالية الإسرائيلية أن البنكين أبلغاها رسميًا بنيتهما إنهاء خدمات المراسلة، مشيرة إلى أن القرار يستند إلى ما وصفته ببيئة المخاطر العامة وتزايد المخاوف من الدعاوى القضائية التي قد تستهدف المؤسسات المصرفية بسبب تعاملاتها مع البنوك الفلسطينية.


ويأتي ذلك رغم أن الحكومة الإسرائيلية دأبت منذ عام 2018 على إصدار خطابات حصانة قانونية تُجدد كل ستة أشهر، بهدف حماية البنكين من المسؤولية القانونية المرتبطة بادعاءات غسل الأموال أو تمويل الإرهاب.


ورغم تمديد هذه الحصانة حتى نهاية العام الجاري، فإن مسؤولي البنكين يرون أنها لم تعد كافية لمواجهة المخاطر المتزايدة، وهو ما دفعهما إلى دراسة إنهاء العلاقة المصرفية مع الجانب الفلسطيني.


وقال مسؤول مصرفي إسرائيلي إن الترتيب القائم كان مؤقتًا منذ البداية، مضيفًا أن البنوك التجارية لم تعد مستعدة لتحمل المخاطر وحدها، وأنها تطالب الدولة بتحمل المسؤولية القانونية الكاملة.


من جانبه، أوضح بنك ديسكونت أنه أبلغ السلطات المختصة بمخاوفه في ظل المخاطر المتزايدة المرتبطة بهذه الخدمات، بينما اكتفى بنك "هبوعليم" بالقول إن المسألة لا تزال قيد الدراسة.


طالع أيضا: لائحة اتهام بالتخطيط لاستهداف بن غفير.. والوزير يتعهد بمواصلة سياسة "القبضة الحديدية"


انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الفلسطيني


ويرى خبراء اقتصاديون أن وقف خدمات المراسلة لن يقتصر أثره على القطاع المصرفي، بل سيمتد إلى مجمل الاقتصاد الفلسطيني، إذ يعتمد النظام المالي بصورة شبه كاملة على الشيكل، الذي بقي العملة الرئيسية المتداولة بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي الموقع عام 1994 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.


وبموجب هذا البروتوكول، لا تمتلك سلطة النقد الفلسطينية صلاحية إصدار عملة وطنية، الأمر الذي يجعل البنوك الفلسطينية بحاجة دائمة إلى النظام المصرفي الإسرائيلي لتسوية المدفوعات وتحويل فائض الشيكل وتمويل التجارة الخارجية.


وكان البنك الدولي قد حذر، في تقرير صدر خلال مايو/أيار الماضي، من أن أي اضطراب في علاقات المراسلة المصرفية يمثل خطرًا نظاميًا قريبًا على الاقتصاد الفلسطيني، مؤكداً أن وقفها سيؤدي إلى آثار فورية على الاستقرار المالي، وسيضعف قدرة البنوك على تمويل استيراد السلع الأساسية، بما فيها الوقود والأدوية والمياه.


ويضم القطاع المصرفي الفلسطيني 13 بنكًا، بينها سبعة بنوك محلية وستة بنوك وافدة، وتعتمد جميعها بدرجات متفاوتة على البنوك الإسرائيلية في تنفيذ المدفوعات بالشيكل.


ضغوط إضافية على السلطة الفلسطينية


وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه السلطة الفلسطينية أزمة مالية متفاقمة نتيجة استمرار احتجاز إسرائيل لإيرادات المقاصة، التي تشكل نحو ثلثي إيراداتها السنوية، ما اضطرها إلى زيادة الاقتراض من البنوك المحلية وتأجيل صرف الرواتب كاملة وتراكم الالتزامات المالية.


وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن حجم الاقتراض المباشر للسلطة من المصارف المحلية بلغ نحو 3.3 مليارات دولار حتى نهاية عام 2025، فيما وصل إجمالي انكشاف القطاع المصرفي على القطاع العام، بما يشمل قروض الحكومة والموظفين، إلى نحو 5.3 مليارات دولار، أي ما يعادل 42% من إجمالي الائتمان المصرفي.


وحذر اقتصاديون من أن أي اضطراب جديد في النظام المصرفي قد ينعكس مباشرة على قدرة الحكومة على دفع الرواتب وتمويل الخدمات العامة، إضافة إلى تقليص قدرة الشركات على استيراد السلع وتسوية التزاماتها المالية.


كما يُخشى أن يؤدي توقف خدمات المراسلة إلى تراكم كميات كبيرة من الشيكل داخل البنوك الفلسطينية دون إمكانية تحويلها إلى النظام المصرفي الإسرائيلي، الأمر الذي قد يفاقم أزمة السيولة، ويحد من منح القروض والائتمان، ويدفع جزءًا من النشاط الاقتصادي نحو التعاملات النقدية والاقتصاد غير الرسمي، بما يحمله ذلك من مخاطر مالية وأمنية.


ويرى مراقبون أن هذه الخطوة، إذا دخلت حيز التنفيذ، لن تكون مجرد إجراء مصرفي، بل قد تمثل تحولًا اقتصاديًا واسع التأثير، يهدد استقرار القطاع المالي الفلسطيني في مرحلة تتسم بأزمات مالية متراكمة، ويضع الاقتصاد الفلسطيني أمام اختبار جديد في ظل استمرار التوترات السياسية والاقتصادية مع إسرائيل.

يتم الاستخدام المواد وفقًا للمادة 27 أ من قانون حقوق التأليف والنشر 2007، وإن كنت تعتقد أنه تم انتهاك حقك، بصفتك مالكًا لهذه الحقوق في المواد التي تظهر على الموقع، فيمكنك التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي: info@ashams.com والطلب بالتوقف عن استخدام المواد، مع ذكر اسمك الكامل ورقم هاتفك وإرفاق تصوير للشاشة ورابط للصفحة ذات الصلة على موقع الشمس. وشكرًا!