في خطوة تعكس ملامح المرحلة السياسية والأمنية الحساسة، صادق الكنيست، فجر اليوم الاثنين، على ميزانية الدولة لعام 2026 بالقراءتين الثانية والثالثة، في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على إيران للشهر الثاني، وسط جدل سياسي واسع وانتقادات حادة من المعارضة بشأن أولويات الإنفاق.
وجاء إقرار الميزانية بأغلبية 62 عضوًا مقابل 55 معارضًا، وفق بيان رسمي صادر عن الكنيست، الذي أوضح أن حجم الميزانية الإجمالي يبلغ نحو 850 مليار شيكل.
ميزانية عادية بقيمة 621 مليار شيكل وميزانية للتطوير تصل لـ228 مليار شيكل
ويتوزع هذا الرقم بين ميزانية عادية بقيمة 621 مليار شيكل، وميزانية للتطوير وحساب رأس المال تصل إلى 228 مليار شيكل، إضافة إلى 77 مليار شيكل كنفقات مشروطة بالإيرادات، و196 مليار شيكل كالتزامات مالية.
وبحسب المعطيات الرسمية، سيبلغ حد الإنفاق نحو 699 مليار شيكل، فيما خُصص نحو 151 مليار شيكل لسداد الديون، باستثناء التزامات مؤسسة التأمين الوطني، غير أن أبرز ما ميّز هذه الميزانية هو الزيادة الكبيرة في مخصصات الأمن، التي ارتفعت بأكثر من 30 مليار شيكل، في سياق العمليات العسكرية المستمرة ضمن ما تُعرف بعملية "زئير الأسد"، لترتفع ميزانية وزارة الأمن إلى أكثر من 142 مليار شيكل.
تقلص نسبي في الخدمات المدنية
في المقابل، أظهرت الميزانية تقليصًا نسبيًا في الخدمات المدنية، رغم تخصيص 97 مليار شيكل لوزارة التعليم، و63 مليارًا لوزارة الصحة، و64 مليارًا لمؤسسة التأمين الوطني، ما أثار تساؤلات حول تأثير هذه السياسات على القطاعات الاجتماعية في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة.
وتنص الملاحظات التوضيحية للمشروع على أن الميزانية تعكس أولويات الحكومة في ضوء التحديات الراهنة، مع الإبقاء على مرونة اتخاذ القرار خلال العام المالي، حتى وإن انعكس ذلك على التعديلات المالية المستقبلية.
طالع أيضا: حرب إيران..محادثات مرتقبة برعاية باكستانية وضربة نووية حساسة تُخرج مفاعل آراك عن العمل
جدل حول مناورة اللحظات الأخيرة
غير أن الجدل الأبرز رافق ما وصفته وسائل إعلام إسرائيلية بـ"مناورة اللحظات الأخيرة"، حيث وافق الائتلاف الحكومي على تحفظات تقدمت بها الأحزاب الحريدية بعد منتصف الليل، ما أدى إلى زيادة مخصصاتها بشكل مفاجئ.
ووفق تقارير إعلامية، صوّت 109 أعضاء كنيست، بينهم نواب من المعارضة دون انتباه، لصالح هذه التعديلات، التي سمحت بتحويل مئات الملايين من الشواكل إلى مؤسسات التعليم الحريدية.
وقدّرت هذه الزيادة بنحو 800 مليون شيكل، وهي أموال كانت محل خلاف قانوني سابق، خاصة في ظل قيود فرضتها المحكمة العليا تتعلق بمبدأ "تحمّل الأعباء".
كما أثارت هذه الخطوة اعتراضات قانونية، إذ طالبت الجهات الاستشارية بتوضيح أوجه صرف هذه الأموال ومدى توافقها مع القوانين السارية.
المعارضة: الميزانية أكبر سرقة في تاريخ الدولة
في هذا السياق، وجّه زعيم المعارضة يائير لبيد انتقادات لاذعة للائتلاف، معتبرًا أن الميزانية ليست سوى أكبر سرقة في تاريخ الدولة، على حد تعبيره.
وأضاف أن الحكومة تستغل الظروف الأمنية لتمرير سياسات مالية تخدم فئات محددة على حساب عموم المواطنين، مشيرًا إلى أن "الشعب الإسرائيلي يدرك ما يجري، رغم محاولات التمويه".
حرب استنزاف
وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه تقديرات وتحليلات إسرائيلية إلى أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يحولها إلى حرب استنزاف، مع ما يرافق ذلك من تداعيات اقتصادية ونفسية على الجبهة الداخلية، في ظل تعرضها لهجمات صاروخية متواصلة.
كما أظهر استطلاع للرأي أن 43% من الإسرائيليين تأثروا اقتصاديًا جراء الحرب، ما يعكس اتساع دائرة التداعيات لتشمل قطاعات واسعة من المجتمع، وسط مخاوف من تراجع النمو وارتفاع تكاليف المعيشة.
وكانت لجنة المالية في الكنيست قد صادقت، في وقت سابق من الأسبوع الماضي، على مشروع الميزانية تمهيدًا لعرضه على الهيئة العامة، في خطوة عكست تسارع الإجراءات التشريعية لإقرارها ضمن الجدول الزمني المحدد.
في المحصلة، تعكس ميزانية 2026 مزيجًا من الضرورات الأمنية والاعتبارات السياسية، حيث تغلّبت أولوية الحرب على حساب الخدمات المدنية، فيما زادت الترتيبات السياسية الداخلية من حدة الجدل، لتبقى التساؤلات قائمة حول مدى قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تحمّل أعباء المرحلة المقبلة.