تشهد أروقة الأمم المتحدة حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا مع انطلاق سباق اختيار الأمين العام العاشر للمنظمة، الذي سيتولى مهامه مطلع عام 2027 لمدة خمس سنوات، خلفًا للأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش.
ويأتي هذا الاستحقاق في ظل تحديات عالمية متزايدة، من النزاعات المسلحة إلى الأزمات الاقتصادية والمناخية، ما يمنح هذا المنصب أهمية استثنائية في المرحلة المقبلة.
أبرز الأسماء البارزة التي تسعى لقيادة الأمم المتحدة
حتى الآن، برز عدد من الأسماء البارزة التي تسعى لقيادة الأمم المتحدة، في سباق تتداخل فيه الحسابات السياسية مع التوازنات الدولية، خاصة في ظل الدور الحاسم للدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن.
رافاييل غروسي
في مقدمة المرشحين، يبرز رافاييل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي استطاع خلال السنوات الماضية ترسيخ حضوره كأحد أبرز الوجوه الدبلوماسية الدولية.
قاد غروسي جهودًا حساسة في ملفات معقدة، أبرزها البرنامج النووي الإيراني، حيث لعب دورًا في محاولات إنقاذ الاتفاق النووي بعد انسحاب الولايات المتحدة منه عام 2018 خلال إدارة دونالد ترامب.
كما عزز مكانته عبر تحركات ميدانية لافتة، من بينها إرسال بعثات إلى محطة زابوريجيا النووية خلال الحرب في أوكرانيا، ما أكسبه سمعة “رجل الأزمات”.
ويرى دبلوماسيون أن خبرته وقدرته على الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الكبرى تجعله من أبرز المرشحين.
طالع أيضا: مقاطعة فنية واسعة لـ"يوروفيجن 2026".. أكثر من ألف فنان يحتجون على مشاركة إسرائيل
ريبيكا غرينسبان
في المقابل، تقدم ريبيكا غرينسبان نفسها كمرشحة إصلاحية تحمل رؤية متعددة الأطراف، مستندة إلى خبرتها الاقتصادية والدبلوماسية، إذ تشغل رئاسة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.
وتؤكد غرينسبان التزامها بقيم المنظمة، لا سيما في مجالات التنمية وحقوق الإنسان، مشيرة إلى تجربتها الشخصية في مواجهة التحديات المرتبطة بالنوع الاجتماعي.
وفي حال فوزها، ستصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب، وهو ما يمنح حملتها بعدًا رمزيًا يعكس تطور دور المرأة في القيادة الدولية.
ميشيل باشليه
ومن بين الأسماء المطروحة أيضًا، تبرز ميشيل باشليه، التي تمتلك سجلًا سياسيًا وحقوقيًا طويلًا، حيث شغلت رئاسة تشيلي مرتين، كما تولت منصب المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة.
ورغم خبرتها الواسعة، تواجه باشليه تحديات سياسية، من بينها تراجع الدعم الرسمي من بلادها، إضافة إلى انتقادات دولية تتعلق بمواقفها السابقة، خاصة في ما يخص قضايا حساسة مثل حقوق الإنسان في الصين.
المرشح الإفريقي ماكي سال
أما المرشح الإفريقي ماكي سال، فيسعى إلى تقديم نفسه كصوت للدول النامية، مستندًا إلى تجربته في قيادة السنغال لأكثر من عقد.
ويركز سال في برنامجه على قضايا التنمية وإصلاح مجلس الأمن، داعيًا إلى تمثيل أوسع للدول الإفريقية والنامية داخل هياكل صنع القرار الدولي. ورغم دعمه من بعض الدول، إلا أن تأييده داخل القارة الإفريقية لا يزال متفاوتًا.
ويجري هذا السباق في ظل تعقيدات سياسية كبيرة، حيث يتطلب انتخاب الأمين العام توافقًا بين القوى الكبرى، خصوصًا الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن: الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، التي تمتلك حق النقض (الفيتو)، ما يجعل أي ترشيح مرهونًا بقبول هذه القوى.
صراع غير مباشر بين رؤى مختلفة لمستقبل النظام الدولي
كما يعكس التنافس الحالي صراعًا غير مباشر بين رؤى مختلفة لمستقبل النظام الدولي، بين من يدعو إلى تعزيز التعددية وإصلاح المؤسسات، ومن يركز على إدارة الأزمات الراهنة بواقعية سياسية.
ومع اقتراب موعد الحسم، يبقى السؤال مفتوحًا حول هوية الشخصية القادرة على قيادة الأمم المتحدة في مرحلة تتسم باضطرابات غير مسبوقة، حيث ستكون قدرة الأمين العام المقبل على التوفيق بين القوى المتنافسة، وإعادة الثقة في العمل متعدد الأطراف، عاملًا حاسمًا في تحديد مسار المنظمة ودورها في العالم.